تأثير القصف الرّوسي الباليستي علَى إنتاج الحديد الصلب في أوكرانيا.


صورة

لقَدْ أدّتْ الهجَمَات الرّوسيَةُ المُمنهَجَةٌ على أوكرَانيَا إلّى تَوَقُفِ إثنيْنِ مِن أكبَرِ مُنتِجِي الصَّلِبِ في الدوْلَةِ: وَ هُمَا مُركبُ "زَابَارُوجستال" (فُولاذ زابَارُوجيَا) وَ مُجمّعُ "آرسِيلُور مِيتَال كريفُوي رُوغ"، لا سَيّمَا في الفتْرَةِ المُتزَامنَة وَ شهر آب 2026 م؛ وَ قدْ أسهَمَا المَصْنَعَان مَعًا بِنَحْوِ 72 بالمئةِ مِن إجْمَالي إنْتَاجِ الصَّلْبِ في أوكرَانيَا خلالَ عَام 2025 م. وَ قَدْ بَقِيتْ مُجمَّعَات أخرَى تَعمَلُ وَ تُنتِجُ ضمن المنظومَةِ التعْدِينيّةِ في الإقتِصَادِ الأوكرَانيِّ، وَ نُورِدُ للمُقارَنَة وَ التحلِيلِ العيْني مَا يَلي:

مُجمّعُ "كَاميتستَال – Kametstal": يُعدُّ مُجَمَّعُ "كاميتسال سَتال" ذَا أهميَّةٍ خاصَةٍ بالنسبَةِ لِقِطَاعِ الصِّنَاعَاتِ المَعدنيّةِ بأوكرَانيَا، وَ هُوَ مُركَبٌ مُتكامِلٌ للحَدِيدِ وَ الصُّلْبِ، وَ يَتَوَاجَدُ بمَدينَةِ كَــامِنسكي ضِمْن إقلِيمِ دنيبرُوبتروفسك الأوكرَانيِّ، وَ يدخَلُ في المَجمُوعة (Metinvest)، التيِ يَملِكُهَا رَجُلُ الأعمَالِ رِينَات أخميتُوف.

تاريخِيًّا، يُعرفُ هذا المُجمَّعُ بمُركب دنيبرُوبتروفسك للتعدِينِ، وَ قدْ بدَأ في الإنتَاجِ بعَام 1889 م عِنْدَما أطلِقتْ ورشَةُ أوّل فُرن عال ببلدةِ كامِنسكي بتلك المنطقَة التي كَانت تحت حُكم رُوسيا القيصريَةِ، وَ ثُمّ أصبَحَ من أهم حلقَات الإنتاج للصلبِ ضمْن المُركب العملاق للإتحَاد السُوفياتي – لا سيّمَا أنَّ تلك المنطقة مُرتبطة بصنَاعات الصواريخ وَ العتاد العسكَري الإستراتيجي؛ وَ معَ إنهيَارِ الدولَة السوفياتية وَ حصُول جمهُورية أوكرَانيا على إستقلالِهَا تمّت خصخصة تلك المُقومات الإنتاجية من طرفِ رُمُوز الآليجارخية المحلية بدعمٍ من المؤسسات العولمية الغربيّةِ.

وَ فِي عَامِ 2021 م تمَّ دَمج مُنشآت هذا المُجمّعِ المعدنيّةِ مَعَ البِنى التحْتِيَّةِ لإنْتَاج فَحمِ الكُوكِ المحليَّةِ و هي أصْبَحَتِ مِلكيَة ذات المَجمُوعَة (ميت إنفست)؛ وَ مُنذُ فبراير 2022 م (بالمُناسبة تزَامَن ذلكَ مَعَ الغزوِ الرّوسي لأوكرَانيَا) أصبَحَ المصنَعُ المُوحَّدُ يَحْمِلُ تسميَةَ (كامِيتستال) – وَ هُنَا لا نتطرّق إلَى ورشات الدّرفَلةِ، بلْ إلى مُركب تعْدِينِي بدَوْرَةِ إنتاجِ مُتَكَامِلةٍ: (إنتاجُ فحمِ الكُوك – التلبِيدُ – الأفرَان العَاليَةُ – حَديدُ الزهر – إنتاجُ الصلب – عمليَةُ الصبِ المُستمرّة – الدرفَلَةُ).

وَ تبْلُغُ الإستطاعَةُ الإنتاجية لهَذا المُجمّع لمُختلفِ المَوادِ: حديدُ الزهر (2.7 مليُون طُن سنويًا)، الصلبُ (3.2 مليُون سنويًا) وَ تعملُ به ثلاثة أفران عالية – وَ لكن مع تفاقم المعارك حول مناجم إستخراج الفحم وَ كذلك تَعثُّر النقل وَ الإمدَادات اللوجستية إنخَفَضَ حجْمُ الإنتَاج لحَديدِ الزهر سنويًا إلى 1.782 مليُون طن؛ وَ حَدِيد الصلْب إلَى 2.018 مليُون طن لنفسِ الفترَةِ. وَ هذا يعني أنَّ الإستخدَامَ الفعلي للمُركب بلَغَ نحْوَ 63 بالمئة من السعة التصمِيمِيَّة لهُ وَ التي تبلُغُ 3.2 مليُون طُن سنويًا.

وَ يُعتبرُ هذا المُركبُ التعديني من أهم المُنتجين للحديد المُسلّح (يُستخدمُ في البناء)، لَفائفِ الأسلاَك وَ مُختلفِ المَقاطِع المعدنية، وَ كذلك الكرات المعدنية. وَ يُعدُّ المُنتجُ الوَحيدُ فِي العالم لقُضبَان مَحاوِرِ السِّكَكِ الحَديديّةِ المُصنّعة عن طريقِ الدرفَلَةِ. (الملف الكامل حول هذا الموضوع فقط للمشتركين).

الوضعُ السيَّاسي وَ المسارُ التفَاوُضي؟

أفَادَ رئيسُ أوكرَانيَا فلاَديميرُ زيلينسكي بأنَّ مُمثِلِي الرئيس الأمريكي – ستِيفن ويتْكُوف وَ جَاريد كُشنر – يسْتَعِدّان لِزيارَة رُوسيَا وَ أوكرَانيَا، مُرجِّحًا أنْ يَحْمِلَ شهرُ أيلُول تَغيّرَات في مَسَارِ الحربِ الرُّوسية الأوكرَانية – وفقَ تصريحهِ في كلمَتِهِ المَسَائيَّةِ.

كَمَا إستَمَعَ زيلينسكِي إلَى تقْرِيرِ كلّ من القَائدِ العَام للقوّات المُسلّحَةِ الأوكرَانيّةِ وَ كَذلك إلى جَهَاز الإستخبَارات الأوكرانِيِّ بخُصُوص مفعُولِ "الضرَبَات الأوكرَانية البعيدَةِ المدى" في العُمق الجُغرَافيّ الرّوسي.

وَ نُفيدُ بأنَّ زيلِينسكِي يميلُ إلى روَاية أنّ الرئيسَ الرّوسي "شخصيًا لاَيَزَالُ يُريدُ إستمرَارِ الحَرْبِ"، - إستنَادًا إلى تقارِيرِ الأمنِ الأوكرَاني وَ أجهزَةِ أمن الشُّركَاء (الحُلفاء الغربيّين).

وَ في غُضُونِ ذَلكَ، تُواصلُ المَاكينَةٌ الحربيّة الروسية في تدميرِ مُقوّمَات الإقتصاد الأوكراني من مُستودعات وَ بنى الإمدادَات اللّوجستية، وَ كذلك وسائلِ النقلِ، وَ تطويق شبه كُلّي للملاَحَة في البحْرِ الأسوَدِ، وَ هو ردٌّ مُناظرٌ للأداءِ الأوكراني بخصوص القصفِ بالمُسيرات وَ الصوَاريخ للمنشآت الإقتصادية و التجَارية الرّوسية – وَ لذلكَ فهيَ حربُ إستنزاف وَ سباق مُتواصل على تحصيل أكثر أرصدة تفاوُضية قبلَ الجُلُوس إلى طَاولة السلام.

وفقًا للتقارِيرِ الإعلاَمية فإنّ أوكرَانيَا تُعاني من شحّ مُزمن في وسائل الدفاع الجوي، وَ لا سيّما ضد الصواريخِ البَالِيستية الرّوسية وَ كذلك المُسيرَات النفاثة؛ في حينَ رُوسيا تعمَلُ على رفع حجم الإنتاج الحربي بمساعدة كُوريَا الشمالية.

الصيّنُ غير مُهتمّة وُجُوديًا في أنْ تخسَرَ رُوسيَا هذه الحرب أمام الغرب، لأنّ بكين تدركُ أنّ تفككَ الإتحادِ الرّوسي يعني سيطَرَة الأطلسيين (الخصم الإستراتيجي) على كل ثروات رُوسيا وَ تقسيمه إلى دُويلات – بمعنى مُحاصرة الصين جُغرافيًا وَ إقتصاديًا؛ وَ مُوسكُو تُراهنُ على هذه الرؤيَة.

تَعْقِيبًا على حُضُورِ وزيرِ الماليَةِ الرّوسيِّ آنْطُون سيلوَانُوف إجتَمَاعَ "مَجْمُوعَةِ العَشْرين" (G20) المُنعَقِدِ في آشفيل، قَالَ الرّئيسُ الأمرِيكيُّ دُونَالد ترَمب: "نُريدُ أن نكُون علَى الوِفَاقِ مَعَ الجَميعِ"، - حيثُ أنَّ الحُضُورَ المُفَاجئ لسيلوَانُوف أدّى إلى أجوَاء مُتوتّرَةٍ في بدَايَةِ إجتَمَاعِ العشرين؛ وَ كانَتْ هَذِهِ المرَّة الأوْلَى التي يُشَارِكُ فيهَا وَزيرٌ رُسيٌّ شخْصيًا في إجتمَاع من هذا المُستوى في عقر المُعسكرِ الغربيّ مُنذُ بدءِ الغزوِ الرّوسي الوَاسِعِ النطًاق عَلَى أوكرانيا في 2022 م.

وَ قدْ أعرَبَ الحُلفَاءُ الأورُوبيّون عن إستيَائهم من قَرَارِ الطرَفِ الأمرِيكِي دَعُوَة سيلوَانُوف إلى هذَا الإجتِمَاعِ؛ وَ من جَانِبِهِ أدَانَ نائبُ المُستشَارِ الألمَانيِّ لاَرس كلِينغبَايل عَلَنًا الوزيرَ الرُّوسيَّ بسبَبِ العُدوَانِ عَلَى أوكرَانيَا، كَمَا أعرَبَ عنْ عَدَمِ رِضَاه من مَوْقِفِ الولاَيَاتِ المُتحدّةِ الأمريكيّة إزَاء إستِقْبَالِ وزيرٍ رُوسي بِهَذَا المُستوى.

وَ هيَ رسَالةٌ من ترَمب إلى "إئتلاف الحازِمين" أنّه لا يُعيرُ بهم إطلاَقًا، بل ينطَلِقُ من مصالح دولتِهِ، وَ هُوَ يُحاولُ أن يعقِدَ صفقةً مَعَ الرّوس.

الوضعُ الميَدانيُّ:

شنَّتْ القوّات المُسلّحَةً الرّوسيةُ ليلةَ أوّل أيلُول 2026 م هُجُومًا بالصوَريخِ البَالِيستِيّةِ عَلَى العَاصمَةِ الأوكرَانيَّةِ، مُستَهْدِفَةً مُستَوْدَعًا للسّكَكِ الحَدِيدِيّةِ وَ مُنشآتٍ أخرَى تَابِعَةٍ لَهَا، مَا أسْفَرَ عَن مَقْتَلِ سَبْعَةِ أشخَاصٍ، ضمنهُم ستة مُوظفين للمؤسسة "أوكرزاليزنيتسَا" (الشركة الوطنية للسكك الحديدية).

وَ بذلِكَ تعمَلُ رُوسيَا على شلَلِ وَ تطويقِ كلّ المُقوّمَات اللُّوجستيَةِ وَ المُواصلاتِ للدَّوْلَة الأوكرَانية، بحيث أنّ إطلاق صفَارات الإنذارِ بشكل مُتواصل خلالَ اليوم قدْ يُؤدّي إلى شلل كاملٍ لمؤسسات الدولَة من إنتَاجِ وَ خدَمَات وَ إدارَةٍ.

كَمَا هَاجمَتْ رُوسيَا بالمُسيّرات ليْلاً بالطائِرَاتِ المُسيّرَةِ مَعْبَرَ "أورلِيفكَا" الحُدُودي المُخصّص لمِلاَحَة العبّارَات عَلَى الحُدُودِ مَعَ رُومَانيَا، حيثُ توقّفَ المعبرُ نهائيًا عن العَمَلِ.

بُودانوف يَكشِفُ أسرَارَ التعبئة وَ التجنِيدِ؟

أوكرانِيَا في حاجةٍ لتعبِئَةِ مَا لاَيقِلُّ عن ثَلاثينَ ألف شَخْصٍ شَهرِيًا منْ أجْلِ الحِفَاظِ عَلَى الوَضْعِ الحَاليِّ عَلَى الجَبْهَةِ – حسبَ مَا صرَّحَ بِهِ مُديرُ مَكتَبِ الرئَاسَةِ الأوكرَانيّة كيرِيل بُودَانُوف لقناة "البثّ التلفزيُوني المُوحّد" يوم الجُمُعَةِ المُوافِقِ لتاريخِ 28 آب 2026 م. كيفَ يُمكنُ فَهْمَ هذا التصريح؟

إنَّ المنطقَ يُؤكدُ بأنَّه نتيجَة للعمَلياتِ القتَالية فيلزَمُ تجنيد مَا لا يقلُّ عن ثلاثين ألف مُواطن لتعويضِ الخسائر – وَ هُوَ حقيقةً عدَدٌ هائلٌ يدفعُهُ الشعبُ الأوكرانيُّ الأبيُّ من أجل حُريّته وَ سيادة دَوْلَتِهِ وَ وحدة آراضِيهِ؟

إنَّ العدَدَ التقريبِيَّ الإجْمَاليَّ لقُدمَاء العمليَات العسكرية وَ أفرَاد أسرِهم يُتوقَعُ أن يكون بيْن خمسة وَستة ملايين نسمَة بَعدَ إنتِهَاءِ الحربِ في أوكرانيا، وَ بذلك يلزَمُ تأمين حيَاتهم علَى جميعِ المُستويات، و هو سيقعُ علَى كاهل ميزانية الدولةً وَ مُموليهَا من الغرب – و هي قيمَة باهضة يجب تأمينَها في كلِّ الأحوَال.

هناك ملفٌ مهم حول تداعيات الحرب في أوكرانيا على الوضع الديمغرافي بثمن رمزي


© حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصحيفة "حول أوكرانيا" العربية بموجب التشريعات الوطنية و الدولية
© تُصدر الصحيفة في نسخة رقمية مُختصرة فقط من أجل التعرّف على أهم المواد التحليلية التي يُصدرها مركز الأوراس للدراسات الإستراتيجية تحت إشراف الأستاذ أوراغ رمضان .