كيف سيُؤثر حِصَارُ الموانئ الأوكرانية على الأمن الغذائي في دول عالم الجنوب؟


صورة

إنَّ مُواصلة مُحاصرة الموانئ الأوكرانية المُطلة على البحر الأسود سيؤدي إلى تداعيات جمة وَ التي قد تنعكس سلبًا على المؤشرات الإقتصادية للدولة في المُستقبل المنظور – وَ ضمنًا قد تتكدّس المواد الغذائية – و منها الحبوب – في المستودعات وَ الصوامع خلال هذه السنة وَ النتيجة إنخفاض ملحوظ لأسعار هذه المواد في الأسواق المحلية، وَ هُنا قد نلمسُ منحًا إيجابيًا بخصوص تراجع الأسعار بالنسبة للمواد التموينية التي شهدت إرتفاعًا قياسيًا خلال الفترة الأخيرة بسبب الحرب وَ تابعاتها على حياة المُواطن.

وَ لكن هناك جهة أخرى لهذه العُملة و التي تتمثل في إنكماش عائدات ميزانية الدولة من العُملة الصعبة التي تُوظف لتغطية نفقات المنظومة الدفاعية وَ سداد إحتياجات المنظومة البيروقراطية وَ قطاع الخدمات الحُكومية، غير أنّ جُلّها أصبح على نفقة الشركاء الغربيين وَ هي ديُون ستقوم بسدادها الأجيال القادمة وَ بمبالغ باهضة – هذا هو ثمن الحرب التي شنتها روسيا على الجارة أوكرانيا.

وَ حسب التقديرات الأولية فإنّه خلال السنة التسويقية (2026 – 2027 م) سيبلغُ حجم إنتاج الحبوب وَ المواد الزيتية حوالي 81.4 مليون طُن، وَ أخذًا بعين الإعتبار لحجم الإنتاج المُتبقى من موسم الحصاد السابق فإنَّ هذا المؤشر سيرتفع إلى عتبة 85 مليون طن – وَ هو إجمالي الإنتاج الجاهز للإستهلاك المحلي وَ التصدير إلى الأسواق العالمية. وَ إنطلاقًا من الإلتزامات وَ الإتفاقيات المبرمة فإنّه يلزمُ تصدير 67 مليون من المواد الزراعية وَ الغذائية خلال السنة التسويقية الراهنة، وَ لكن في حال توقف عمل الموانئ الأوكرانية، وَ قد تتقلّصُ سعة مُعالجة الصادرات تقنيًا إلى مُستوى 1.7 مليُون طن شهريًا، مما سيؤدي بشكل أو آخر إلى تشكيل فائض مُهم في الأسواق المحلية – و قد يترواح حجم المواد الزراعية التي يلزم إحتواءها بين 27.4 وَ 32.4 مليون طن.

في هذه الحالة فإنّ الشركات وَ المؤسسات التي تقتني المنتوج من المُزارع قد تصبح مضطرة لتخفيض سعر الطن من الحبوب إلى سبعة آلاف غريفنة في المُتوسط – و هي قيمة أقل بكثير من الكُلفة، بمعنى أن الجهة المُنتجة ستتكبد خسائرًا جسيمة في هذا القطاع الحساس بالنسبة للمُجتمع الأوكراني وَ للدولة على حد سواء.

وَ من جهة أخرى، فإنّ القوات المسلحة الأوكرانية أيضًا تعتمد في التموين على الإنتاج المحلي، وَ قد يؤدي إنخفاض ثمن هذه المُكونة الإستراتيجية إلى تخفيض الموازنة لصالح الدولة، وَ لكن ليس لصالح الوسطاء وَ الجهات السمسارة التي كانت سابقا تحصد أموالاً طائلة على خلفية إقترانها بالمؤسسة العسكرية و منها وزارة الدفاع.

وَ أيضًا فإن تكدّس المنتوج قد يفرض واقعًا ماليًا على المؤسسات التي كانت تلجأ إلى التقريض من البنوك لتهيئة موسم الحصاد و خاصة ما يتعلق بتوفير مواد الطاقة وَ المواد اللازمة لتحقيق هذا الهدف – و هنا قد تذهب الحكومة إلى تقديم تسهيلات إجرائية بخصوص سداد هذه الإلتزامات المالية أمام المنظومة البنكية – و كل ذلك سيكون على حساب الدعم الحكومي، وَ هو ثقل آخر قد يقع على عاتق الدول المُمولة – الإتحاد الأوروبي بوجه التحديد.

وَ لكن بالنسبة لعالم الجنوب و بعض الدول العربية – التي تعتمدُ على الحبوب القادمة من أوكرانيا، فيجب عليها أن تبحثَ عن موارد بديلة لكي لا تسقط في أزمة غذائية قد تكون لها عواقب سياسية في وقت عصيب وَ مُتضارب، لأنه لا يُمكنُ مُطالبة أوكرانيا بالتعويض كون هذا الأمر يقع في بُند ما يُعرف بـ: "الظروف القاهرة" المُقيدة في الإتفاقيات المبرمة وَ في هذه الحالة يُمكن تفهم وضع أوكرانيا التي تُعاني الأمرّين.

وَ لكن "مصائب قومٍ عند قومٍ فَوائدُ" – وَ هُو بيت شعر مشهور يُنسبُ للشاعر أبو الطيب المُتنبي – وَ هُنا قد تستفيد دولٌ أخرى من هذه المُعادلة القائمة في سوق الحبوب العالمي – وَ ضمنًا دول "العالم المتحضّر"، وَ التي ستستغلّ الوضع وَ ترفع الأسعار وَ تملأُ الفراغ الناتج – منها فرنسا، على وجه التحديد، التي ستحاول تصدير منتوجها إلى الجزائر على سبيل المثال ضمن صفقات مشروطة سياسيًا في ظل الأزمة الدبلوماسية القائمة. وَ بالمُناسبة قامَ سفير الجزائر المفوض فوق العادة لدى أوكرانيا السيد أحمد أوعيل بزيارة مقر وزارة الزراعة وَ التغذية بالعاصمة كييف وَ إلتقى مع الوزير تاراس فيسوتسكي، و خلال اللقاء تطرّقَ الجانبان إلى الوضعية الأمنية الصعبة التي تُواجهُ الموانئ الأوكرانية المُطلّة على البحر الأسود وَ تأثير ذلك على صادرات القمح الأوكراني إلى الجزائر، إذ إحتلت الجزائر المركز الثاني عالميًا من حيث صادرات القمح الأوكراني للسنة الماضية 2025 م. و قد حان الوقت أن تعتنى دول عالم الجنوب بمشاريع الإصلاح الزراعي وَ تخصيب التربة وَ مُعالجتها ضمن التقنيات الحديثة و هي مُتوفرة – فيلزم التشمير عن الساعدين وَ إقتحام هذا المجال بثقة وَ بجدية.

وَ الجدير بالذكر أن الشركة الدولية (Maersk) أعلنتْ عن تعليقها لخدماتها اللوجيستية بالموانئ الأوكرانية خُصوصًا المطلة على البحر الأسود بسبب الهجمات الروسية للسفن وَ الناقلات، وَ يظل فقط طريق نهر الدانوب وَ لكنه مُكلف وَ يتطلب مقومات إضافية تخص التشريعات المُعتمدة بدول الإتحاد الأوروبي وَ أيضًا إرتفاع الخدمات التأمينية، كل ذلك يقفُ عقبة أمام عملية التصدير للحبوب الأوكرانية، و ليس هناك أي ضمانات أن روسيا لن تذهب إلى قصف تلك البنى التحتية في المستقبل المنظور، فجُغرافيا الحرب القائمة مُرشحة للتوسع في ذلك الفضاء لأسباب موضوعية ستُفرض على الجميع بدون إستثناء.

كمَا أنّ الأمر لا يقتصرُ فقط على قطاع الزراعة، وَ لكن يتعدى إلى قطاع التعدين وَ المناجم الذي يقترنُ بالصادرات إلى الأسواق الدولية، وَ بسبب القصف الروسي المُتواصل بحوض الأسود بالمسيرات للناقلات فقد تم توقيف عمل مُركب المناجم وَ التعدين الكائن في المنطقة الجنوبية بالتراب الأوكراني، الذي يملكهُ رجل الأعمال رينات آخميتوف، حيث تكدّست كميات كبيرة من خام الحديد بالمستودعات وَ بالموانئ وَ التي من المُقرّر أن تبحر إلى زبائنها عبر العالم.

وَ تجدرُ الإشارة إلى أنَّهُ يوجدُ رجال أعمال من النسيج العربي في أوكرانيا، الناشطين في قطاع التصدير وَ الإستيراد من وَ إلى أوكرانيا، قد تتوقف تجارتهم لهذه الأسباب وَ هم قد قضوا في ذلك سنوات من الإستثمار وَ العمل الدؤوب مما سيؤدي إلى إنكماش مواردهم المالية، وَ هذا ليس لمصلحة هذه الفئة التي ظلت في أوكرانيا من أجل إعالة أسرها المتواجدة في الوطن العربي.


© حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصحيفة "حول أوكرانيا" العربية بموجب التشريعات الوطنية و الدولية
© تُصدر الصحيفة في نسخة رقمية مُختصرة فقط من أجل التعرّف على أهم المواد التحليلية التي يُصدرها مركز الأوراس للدراسات الإستراتيجية تحت إشراف الأستاذ أوراغ رمضان .