مُخرجات لقاء ترامب مع زيلينسكي بخصوص كيفية إنهاء الحرب في أوكرانيا؟


صورة

إنّ التسوية السلمية للنزاع المُسلّح بأوكرانيا تقتربُ نحو مرحلتها النهائية – حسب تصريح رئيسِ الولايات المُتحدة الأمريكية دونالد ترامب قائلاً: "دعونا نرى هل ما إذا كان ذلك سيتم – و لكن ذلك قريبٌ جداً." – حسب تصريحه بعد إنتهاء المُباحثات التي أجريت بين الرئيسيْن الأمريكي وَ الأوكراني. و قد أشار ترامب إلى أنّ الجهود التي تبذلها واشنطن لتقريب السلام تُثمّنُ من طرف روسيا و أوكرانيا على حد سواء، وَ أنّ كلا الطرفيْن يُريدان إنتهاء الحرب.

وَ بخصوص الضمانات الأمنية أفادَ دونالد ترامب بأنّ أوروبا ستاخُذُ على عاتقها الثقل الأكبر، و أنّ الولايات المُتحدة الأمريكية ستقوم بمساعدة الأوروبيين في تحقيق هذه الغاية المنشودة قائلاً: "أوروبا ستأخذ على عاتقها الجزء الأكبر من ذلك (تقديم الضمانات الأمنية لأوكرانيا)، و نحن بالتأكيد سنُساعدهم في ذلك" – و قد إستدركَ رئيسُ أمريكا بأنّه بقيَتْ مسألة أو مسألتان قيد الدراسة و النظر في حلها من أجل الوصول إلى التسوية – في حين أنَّ موضوع تقديم الضمانات الأمية لأوكرانيا تم حلّه بنسبة 95 بالمئة.

وَ لقد سبقَ وَ أن ذكرنا بأنّه تم الإتفاق بين واشنطن وَ موسكو حول تشكيل مجموعتيْن للعمل على إنهاء الأزمة الأوكرانية (النزاع المُسلح بين أوكرانيا و روسيا)، في هذا الشأن أكد دونالد ترامب قائلاً: "سيدخلُ في تشكيلة هذه المجموعة ستيف ويتكوف .. ماركو روبيو و بعض الأشخاص. و أعتقدُ أنّ بيت هيكسيث سيدخل في هذه المجموعة" – حسب ما أكده ترامب.

و لكن وفقاً للإعلام الأوكراني فإن زيلينسكي وَ ترامب لم يتمكنا من حل موضوع الدونباص، في حين ترامب أفادَ بأنّ الطرفيْن إقتربا من الحل لهذا الموضوع، و لكن دون تحديد التفاصيل بخصوص "التنازل عن الآراضي من طرف أوكرانيا لصالح روسيا الإتحادية" – مسألة مُعقدة و حساسة بالنسبة لزيلينسكي في الداخل الأوكراني و لها توابع عصيبة بالنسبة لمُستقبله السياسي.

وَ في هذه النقطة بالذات سألَ الصحُفيُّ الرئيسَ ترامب بأنَّ روسيا تسعى لأن تنسحبَ أوكرانيا من الدونباص، أجاب ترامب قائلاً: "هذا ما يُريدونهُ (الروس)، و لكن هذا الموضوع يظل قيد العمل. وَ أعتقدُ أننا نمضي في الإتجاه الصحيح.".

و هُنا يُوافقُ زيلينسكي رأيَ نظيرَهُ الأمريكي بأنّ موضوع الدونباص "يظل صعباً جداً" قائلاً: "أنتمْ تعرفون موقِفَنا. علينا أن نحترمَ قوانيننا، شعبنا و آراضينا... و في هذه المسألة لدينا مع الروس مواقف مُختلفة" – مُضيفاً: "عندما نتحدّثُ حول الإستفتاء، فيُمكنُ أن يصبح ذلك من أهم الحلول. هناك إمكانية التصويت في البرلمان أم عبر إجراء الإستفتاء" – وَ هُنا نلمسُ أنّ إجابة رئيسِ أوكرانيا ضبابية من الناحية الإجرائية، لأنّ إجراء الإستفتاء يتطلب تغييرات حثيثة في المنظومة التشريعية و أيضاً يلزم تحضير البنية التحتية التنظيمية في ظل نزوح و لجوء الملايين من الناخبين الأوكرانيين خارج حدود دولتهم، إضافة إلى أنّ رئيس روسيا الإتحادية فلاديمير بوتين يُطالبُ بتقديم الحق للمواطنين الأوكرانيين المُتواجدين بالآراضي الروسية (و ضمناً الآراضي المُحتلة) الحق في التصويت – مسألة في غاية التعقيد.

أما ما يخص البرلمان الأوكراني – و هنا نشيرُ إلى أنّ مُحقّقي المكتب الوطني (الأوكراني) لمُكافحة الفساد بدؤوا في رفع قضايا إجرائية مرتبطة بالفساد في حق نواب مُقربين من زيلينسكي، و هي إشارة إلى أنّ الطرف الآخر قد يشك في صلاحية هذه السلطة التشريعية على خلفية ما يُنشر من تقارير ذات الصلة.

إنطلاقاً من المُناورات السياسية و الدبلوماسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عُهدته الثانية، نفهمُ بأنّ المظلة الأمنية التي كانت واشنطن تُقدمُها لحُلفائها سابقاً، و لا سيما ضمن حلفاء الناتو، أصبحت بقيمة السوق و يلزم دفع ثمنها المرقوم، حيث يتوضّحُ ذلك إنطلاقاً من سطور إستراتيجية الأمن القومي الجديدة للولايات المُتحدة الأمريكية. بمعنى أنّ العامل الإيديولوجي قد ولّى وَ يلزمُ تغطية كل النفقات المُترتبة عن الخطوات "الإرتجالية"، التي تتخذها الدول و الكيانات السياسية في هذه المرحلة الراهنة. وَ لذلك فإنّ الحروب الحديثة هي جزءٌ من الصراع الإقتصادي على الموارد وَ الأسواق، و طبعاً تطوير التكنولوجيا على كل المسارات لضمان التفوّق على الأمد البعيد، فالحُروب مُكلفة مالياً وَ إقتصادياً في حال غابت المُكونة الإيديولوجية وَ العقائدية كما كان الأمر سابقاً خلال الثورات التحريرية ضد الإستعمار الأطلسي الغربي – لأنّ حينها كان الأمر يرتبط بالعزيمة و الإيمان بالنصر ضد المُحتل الغربي المُتغطرس، خلافاً لحروب اليوم فهي ورشات تكنولوجية و مُراهنات إقتصادية مُغلفة في قالب سياسي أو وطنجي. كما أنّ الحربين العالميتين الأولى و الثانية تُعتبران قصيرتين من ناحية الزمن مُقارنة بالحرب الغابرة في تاريخ البشرية – وَ لكن النزاع الحضاري قد يطول في الأمد لعقود أو مئات السنوات، و هو ما يجري الآن بين العالم الإسلامي وَ المُعسكر الأطلسي الصليبي في العُمق، و يتجلى ذلك في الحرب التي شنتها الصهيونية العالمية على المسلمين في قطاع غزة – ولكن الأنظمة المُطبِّعة المنبثقة عن مآمرة سايكس بيوكو تُناورُ من أجل البقاء على قيد الحياة لكي لا ينكشف أمرُها أمام شعوبها، وَ العُقلاء يتفهمون طبيعة هذه الخوارزمية.

فالصراع له مصدران: إما النزاع المسلح جاء نتيجة إختلاف الرؤية الحضارية العقائدية، أو أنه يصب في مصلحة النهب وَ إختلاس ثروات الشعوب المستضعفة. و لذلك فإنّ الحرب القائمة في أوكرانيا هي تجربة فريدة من نوعها يلزم تفصيلها و معرفة أسبابها الحقيقية – لأنه دون إيجاد و فهم الدوافع الجذرية لهذه الحرب المُدمّرة لمقومات الشعب الأوكراني، لن نتمكن من تقديم التحليل الرصين وَ المنطقي لهذه المأساة التي يعيشها هذا الشعب العظيم.

في حين أنه عندما تُترجم الحرب إلى ورشة إقتصادية مُربحة و لها فوائد مالية تعود على الشركات العابرة للقارات، و التي تؤثر في مسار الإنتخابات السياسية في الدول العظمى، مثل الولايات المُتحدة الأمريكية، هنا يتوجب الإستعانة بنفس الآلية التحفيزية لإستقطاب المُقاتلين وَ المُجنّدين إلى جبهات القتال – مُعادلة صعبة الحل في ظل تراجع المؤشرات الديمغرافية وَ حتى المقومات الفكرية التي تؤطر و تدفع بالشخص إلى هذه الورشة الدموية.

و لقد قرأنا في مصادر مُختلفة بأنّ الماكينة العسكرية الروسية تستهلك من ذخيرة المدفعية في الأسبوع أكثر مما تُنتجهُ بريطانيا مع بعض حلفائها في السنة – و هُنا السؤال المنطقي: من يقف وراء هذا الزخم الهائل من الإنتاج لصالح روسيا؟ و هنا نتذكر تصريح أحد الدبلوماسيين الصينيين الرفيعي المستوى و هو يُصرّح: لن نترك روسيا تنهزم في هذه الحرب؟

فالخبراء الروس يدركون بأنّ رجل الأعمال دونالد ترامب، وَ الشركات الأمريكية المُقترنة به، يبحثُ عن الفائدة المادية لكي يُقدمها للناخب الأمريكي قُبيل الإنتخابات النصفية بالكُنغرس كنتيجة لأدائه الإيجابي بمنصب رئيس أهم دولة في العالم، و أيضاً الخصم السياسي له – سواءً بأمريكا أم بأوروبا – يُراهن على فشل مساعي ترامب السلمية وَ العمل على إجهاض مشروعه التفاوضي. وَ لذلك فإن الروس يُحاولون تقديم عرض مُغري للإدارة الأمريكية في الشق الإقتصادي الإستثماري بشكل مُقنع وَ يفوق كل الفائدة التي يجنيها المركب الإنتاجي الحربي الغربي من تغذية الحرب في أوكرانيا على حساب دافعي الضرائب – و لذلك فإنّ المبعوث الخاص للكرملن بشؤون الإستثمارات كيريل دميتريييف يُحاول إقناع ترامب في إعادة النظر في ملف أوكرانيا، و روسيا الإتحادية تعرضُ على النظير الأمريكي صفقات بقيمة مالية تُقدّر بعشرات الترليونات من الدولارات ضمن مشاريع عملاقة في القطب الشمالي المتجمد، و أنّ مواصلة دعم أوكرانيا لن يُقدّم تلك الفوائد الباهضة – و هذا السر الحقيقي في أن ترامب يظل يُماطل وَ يُقدّم لبوتين الوقت اللازم لتحقيق الإنتصار على الأرض – و هو ما نلمسهُ حالياً على جبهات القتال. و لقد سمعنا بوتين و هو يقول: إن لم نتمكن من حل الأزمة بالطرق الدبلوماسية، فنحن سنُواصل المهمة و تحقيقها بالوسائل العسكرية.

و لذلك قدِمَ ترامب على آخر فرصة لتبيان نوايا زيلينسكي وَ حلفائه الأوروأطلسيين، و هو يستقبله بمقر إقامته بفلوريدا، ليعرض عليه الصفقة، وَ ثم ستتم الجولة المكوكية للوفد الأمريكي إلى الكرملن لوضع النقاط على الحروف.

فإعلامياً ترامب يؤكدُ بأنّ المحادثات قد تؤدي إلى إنتهاء الحرب و يلزم مواصلة التشاور، و لكن من جهة أخرى هو يُطلق عبارة و لو قصيرة بأنّه يُوجد إحتمال آخر، و هو أن النزاع المسلح سيتواصل و سيموت الملايين؟ فهل إستمعَ زيلينسكي و فريقه التفاوضي إلى هذه الجُزئية من التصريح؟

تكملة المقال تُرسلُ فقط إلى المشتركين ضمن مشروعنا الإعلامي، و سيكون جزءاً مُهما في ملف "الحصاد السنوي 2025 م: تحليلات رمضان".


© حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصحيفة "حول أوكرانيا" العربية بموجب التشريعات الوطنية و الدولية
© تُصدر الصحيفة في نسخة رقمية مُختصرة فقط من أجل التعرّف على أهم المواد التحليلية التي يُصدرها مركز الأوراس للدراسات الإستراتيجية تحت إشراف الأستاذ أوراغ رمضان .