لدى رئيسَ الولايات المُتحدّة الأمريكية
دونالد ترامب
بخُصوصِ
أوكرانيا
عدة حسابات وَ سيناريوهات
بطابع وقائي
وَ حتى شعبوي
في بعض الحالات
– المُهم أن يُحافظ على زخمه النخبوي وَ الإنتخابي في المستقبل المنظور،
فالحرب في أوكرانيا
وَ كيفية مُعالجتها تُعتبرُ إختباراً عسيراً لمستقبله السياسي، كما هُوَ الحال بالنسبة للرئيس
فلاديمير زيلينسكي
– فالإثنان أصبحاً رهينة الوضع القائم، و كلاهُما يُريد حصر الآخر في الزاوية للخروج من المأزق التاريخي و الحتمي – فالمسألة محسومة لدى من يُتابع هذه المباراة الجيوإستراتيجية عن كثب، فنحن لا نسأل هل سينتهي اللقاء، و لكن نقول بجزم:
متى سينتهي التصعيد و هل سيُعلن عن وقت إضافي أو ضربات الجزاء؟
فترامب لا يُريد أن يظهر بوضع الرجل،
الذي أدخلَ
أوكرانيا
في
دهاليز الإندثار وَ الخراب
– فهذا ليس من مصلحته، وَ هو ينوي أن يبنى مُستقبله على حساب خروج أوكرانيا مُعافة و لو نسبياً من هذه
الورطة التاريخية،
ناهيك على أنّهُ يطمع في الحصول على
جائزة نوبل للسلام
نكاية في أوباما!
و هذا ليس تهكمّاً، بل واقعاً يعيشه ترامب كونه معروفاً
بنرجسيته وَ طبيعته العنفوية،
و هو طبع تراكُمي شبَّ و شابَ عليه. و لذلك فإن زيلينسكي قد رسمَ الخطة بشكل يتوافق وَ مسار ترامب: حيث أنّ رئيسَ أوكرانيا قد يقول لاحقاً:
الغرب وَعدنَا وَ ها هو يغدرُ بنا؟
الحرب فن الخداع و سياسة فن المُمكن
– أوكرانيا مفتوحة على جميع السيناريوهات، و لكن الأهم في كل ذلك المخاض:
ما هو التبرير الذي سيختاره الساسة في نهاية المطاف؟
هل لمستمْ أنَّ خطاب
المُعسكر الغربي
كانَ دوماً محلّ تغيّر وَ تذبذب؟ لا سيما في موضوع
قبول أوكرانيا عضواً
بحلف الشمال الأطلسي؟
و الذي يُوظفُ من طرف النخب في كييف كوسيلة للضغط و المقايضة على موقع الروس في كل هذه المنظومة التفاوضية، و التي حقّاً بدأت منذ قمة الناتو ببوخارست 2008 م، و إلى حتى الساعة أصبحت
أكثر ضبابية من السابق،
و هي الذريعة التي وظفتها موسكو لشن الحرب على سيادة أوكرانيا على نطاق واسع، وَ يظل الكرملن يمسك بهذه الورقة وَ يُلوّحُ بها أمام الغرب.
لن يقبل زيلينسكي بالتنازل عن هذا المطلب
لأنّه أساس فلسفه حُكمه وَ الغراء الذي يمسك بكل ما قدّمه الشعب الأوكراني من تضحيات
في الظل و على جبهات القتال
– فإذا تراجعت النخبة الحاكمة عن هذا المطلب وَ غلقت هذا الملف: فيأتيهم السؤال قاسيا من المُجتمع، و خاصة المقاتلين:
لماذا حاربنا وَ قاتلنا خلال كل هذه الفترة؟
و أنتم وعدتمونا بأن نصبح جزءاً من العالم الأطلسي وَ نرتقي إلى مستوى أفضل؟ هذا ناهيك عن العضوية في الإتحاد الأوروبي؟
فلو قُمنا بالتدقيق في تصريحات الأطلسيين السابقة
– فهي كانت واضحة و نوعاً ما نزيهة وَ مُوثّقة للأجيال القادمة – فقد أكد الأمين العام للناتو السابق
ينس ستولتنبرغ
بأنّ العضوية
ستأتي بعد الإنتصار على أرض الحرب،
و كأنه أوَّلاً يلزمُ هزم روسيا الإتحادية إستراتيجياً
(شرط لازم تحقيقه)،
و حينها
سيأتي موضوع الإندماج في الأسرة الأطلسية،
و قد تناغمَ هذا الخطاب مع السياسة الديمقراطية بالولايات المتحدة الأمريكية – و كان الأوروبيون، و بوجه التحديد
المفوضية الأوروبية
على لسان جل مسؤوليها، يؤكدون على دعم أوكرانيا
بكل الوسائل وَ بقدرِ ما هُوَ مطلوب، مهما طال الأمد!
و لكن مع الوقت لمسنا أنَّ الأوروبيين بدؤوا تغيير لهجة خطابهم نحو:
"سندعم أوكرانيا حسب الإمكانيات المتوفرة"
– و هنا نرى أنه يوجد بعض التراجع، و مع إقتراب نهاية عقدة بايدن و ظهور ترامب في الأفق، بدأت الأمور تأخذ طابعاً آخراً – و أصبحَ الخطاب على النحو التالي:
إن هدفنا هو إيقاف الحرب و هو هدفنا الإستراتيجي.
و هنا ترامب يريد أن يلعب دور الوسيط وَ رجل السلام،
وَ هو يهيءُ الأجواء لجعل موضوع إدارة الحرب أو إنهائها من إختصاص الناتو، و إن لم نقُلْ، أوروبا في الشكل الموازي لحلف الشمال الأطلسي. و رغم كل هذه الخوارزميات الحذرة، التي أحاطَ ترامب نفسه بها، فيظل رئيسَ الولايات المتحدة الأمريكية
على نفس المسافة من الجميع،
في العلن حسب ما نقرأ وَ نسمع، فهوَ لم يتخلّى عن أوكرانيا، بالعكس فهو يعمل جاهدا بكل ما أوتيَ من صلاحيات دستورية لإنقاذ الشعب الأوكراني
من ويلات الحرب وَ حقن الدماء،
و هذا يخص أيضاً الشعب الروسي
– و لذلك فهو قد أفادَ مراراً بأنّه يحضِّرُ مشروعاً مهما
بخصوص تقديم الضمانات الأمنية لأوكرانيا،
و حتّى أنّهُ كلّفَ وزير الخارجية
ماركو روبيو
ليُشكل فريقاً من الخبراء و المُختصين للبدء في هذا المشروع، وَ نحن نتوقّعَ قدوم الوفد الأمريكي لمناقشة حيثيات هذه المبادرة مع الزملاء الأوكرانيين قريباً؛ و من جهة أخرى – فترامب يؤكدُ على أنّه سيفوّض الأوروبيين بالقيام
بواجبهم المنزلي
لتكتمل الصورة كون أوكرانيا
قريبةً جغرافياً منهم،
وَ عليهم أن يأخذوا المسؤولية على عاتقهم أيضاً،
و هوَ لا يُمانع بيعهم السلاح و الذخيرة
– أو لحلف الناتو – وَ هم بدورهم سيُقدّمون تلك الترسنة إلى القوات المسلحة الأوكرانية لإحتواء الخطر الروسي.
و حسب هذا المنطق
يتضّحُ بأنّ الولايات المُتحدة الأمريكية
ليست طرفاً في هذا الصراع المسلّح،
على الأقل في العلن، فَواشنطن مُهتمة في التسوية السلمية المُستدامة
(و ليس في وقف إطلاق النار؟)،
وَ الكرة الآن بين بوتين وَ زيلينسكي إلى حين؟
فزيلينسكي
يُحاولُ ملء الفراغ الدبلوماسي بعروضٍ تخدمُ مُستقبله السياسي و لن يترك مجالاً لمُعارضيه لأخذ المبادرة لإستبقاه، فهُوَ يُكرّرُ نفسه الموقف الذي حصلَ معه في
28 فبراير 2025 م بالبيت الأبيض،
و الكل شاهدَ المشاداة الكلامية مع كل من ترامب وَ دي فانس ضد زيلينسكي، وَ لكن في هذه المرة زيلينسكي حاولَ أن يكون دبلوماسياً إلى أبعد درجة، و هو ضيف لدي ترامب لأنه يتفهّمُ أنه يتواجد في
موقع الحلقة الأضعف
– و لكنّه قامَ بالرد على ترامب
بعد أن وَصَلَ إلى أوكرانيا،
و بعد مشاورات حثيثة مع أصدقائه الأوروبيين (على المُستوى الشخصي)، وَ قد تُرجمَ المشهد لصالح زيلينسكي بدعم مباشر أو غير مباشر من مُمثلي ما يُعرف
بإئتلاف الراغبين
– و هو تشكيل سياسي أوروبي حديث، و في العُمق يُجسّمُ إمتداداً للحزب الديمقراطي وَ
الدولة العولمية الموالية للمعسكر اللبيرالي الأطلسي،
المُناهض لسياسة ترامب وَ مشروع البريكس في آن واحد – و هُنا التحالف الأطلسي المُحدّث
(محور: لندن، باريس وَ لُندن)
مُهتم في
إجهاض مشروع آلاسكا،
و محاولة إستمالة ترامب إلى خيار مُواصلة إحتواء روسيا وَ حلفائها من خلفها الصين بوجه التحديد.
فالجميع يتكلم عن موضوع
تقديم الضمانات الأمنية لأوكرانيا بعد إنتهاء الحرب
– فالأجندة الأطلسية، و معها الرؤية الأوكرانية طبعاً،
تقع في ثلاث خيارات
بخصوص آليات تجسيد هذه الإستراتجية الأمنية:
1) الإمتثال لنموذج عمل المادة الخامسة لميثاق منظمة حلف الشمال الأطلسي، بحيث أنه بعد إنتهاء الحرب وَ التسوية السلمية، فإنه في حال تعرّضت أوكرانيا إلى أي عُدوان (القصد هنا من طرف روسيا الإتحادية)، فإنّ الدول الغربية ستلتزم بالقدوم للدفاع عن أوكرانيا، بالطريقة التي تراها، كل دولة على حدى، مواتية و ضرورية؛
2) نشر قوات حفظ السلام من بعض دول حلف الشمال الأطلسي (أو لدول أخرى حسب الإتفاقية) على الآراضي الأوكرانية كضمانة أمنية في حال تعرضت أوكرانيا لعدوان خارجي؛
3) تدريب المُنتسبين إلى القوات المسلحة الأوكرانية و دعمهم بالعتاد، و أيضاً إنشاء صناعة حربية مشتركة لتعزيز مؤسسة الدفاع الأوكرانية (التحضير لإنشاء جيش أوكراني قوي).
من المؤكد أنّ الجانب الأوروبي الأطلسي
لم يأخذ برأي روسيا الإتحادية
كون الطريق إلى السلام بإتجاهين، وَ إنطلاقاً من تصريحات المسؤولين الروس فإنّ موسكو
لن توافق على كل هذه الخيارات
– و هنا تكمن المشكلة في إيجاد الحل لهذه المُعضلة و التي تُترجم إلى تعثّر مستقبل عقد
قمة ثنائية بين بوتين وَ زيلينسكي.
فقد صرّحَ وزير الخارجية الروسي
سيرغي لافروف
بأنّ اللقاء الثنائي مُستبعد في هذا التوقيت
لأن جدول الأعمال غير جاهزبعد،
و حتى أن ترامب بعظمة لسانه أفاد مؤخراً بأنّ
بوتين لا يُريد لقاء زيلينسكي،
و هو ما صرّحَ به سابقاً نائبه
جي دي فانس.
و كذلك نرى أنَّ
الرئيسَ زيلينسكي
رفضَ قطعاً موضوع التنازل عن الآراضي بإقليم الدونباص، و هو أمر محسوم منذ البداية و يُناقض التشريعات الأوكرانية
(و لقد تطرقنا إلى هذه المسألة في نشرات سابقة).
نحنُ في واقع الأمر أمام طريق مسدود.
فيجب البحث عن التوافقات مبدئياً
طالما الرئيس ترامب مُهتم في إنهاء الحرب
– و لكن لا نريد أن نذهب في سرد الرواية الأطلسية،
يجبُ أن نكون نزهاء أمام الشعب الأوكراني،
الذي يُعاني حقيقة من ويلات هذه الحرب المُدمرة و يستحق كل الإحترام و أن يعيش مُكرماً على أرضه في حدودها المُعترف بها دولياً، كوننا نحترم التشريعات الدولية و نعترف بسيادة أوكرانيا على آراضيها –
هذا واجبنا الأخلاقي كممثلي العالمين العربي و الإسلامي، و جزء من وقفنا السيادي تحت إحتلال الكيان.
إنطلاقاً من الرؤية المنطقية و البراغماتية،
فإننا نستطيع أن نضع النقطة في هذا الفصل، وَ نُنهي التحليل كون الطريق مسدوداً؟
إن هذه المعادلة تتغيّر و تتنفّسُ
بمعطيات يومية جديدة
– الجيش الروسي يُحقّق بعض التقدم على الأرض في إقليم دونتسك، و بذلك الروس
يريدون حسم المسألة عسكرياً و ليس سياسياً.
فلا يُمكن تجميد المسألة لأن من يَسُوق هذه الماكينة هم من يُحقّوق هذا التقدّم الميداني، و على الطرف الآخر أن يعي لهذه الأطروحة و يأخذها بعين الإعتبار خلال تسطيرهِ للإستراتيجية التفاوضية. وَ حقناً لدماء أبناء الشعب الأوكراني الأبي يلزمُ إتخاذ التدابير الحكيمة.
في العُمق
فإنّ
الإتحاد الأوروبي
لا يُريد خروج
الولايات المُتحدة الأمريكية
من اللعبة و بقاء واشنطن مُسيطرة على القارة العجوز، لأنّ إبتعاد أمريكا عن الورشة الأوروبية في البُعد الأمني الإستراتيجي، فهذا يعني ترك الأوروبيين، و أوكرانيا أيضاً، وجهاً لوجه أمام روسيا الإتحادية و حلفائها العقائديين – في هذه الحالة فإن البيروقراطية الأوروبية لن تقدر أن تغطي كل النفقات الإجتماعية،
وَ تخسر ذلك الرونق الذي يجذب كل من دب و هب من عالم الجنوب إليها
– و كما نعرف الموارد البشرية أصبحت مُهمة و مصيرية لأنَّ الماكينة الجبائية الأوروبية وَ كيفية التعامل الإقتصادي و التكافل الإجتماعي قد تُحوّل أوروبا إلى كيان جيوسياسي مُتماسك بالإستثمار في الأجيال القادمة، و هم
أبناء و أحفاد الوافدين الجديد من كل العالم،
و الذين سيصبحون من دافعي الضرائب وَ مستقبلاً ربما جزء منهم سيعود إلى الوطن الأم ليُمرّر البرامج التوسعية لبروكسل، و هي محاولة أخرى لنفخ الروح في جسد الأمبراطورية الرومانية في طبعتها المستحدثة، و هي ستكون
مُكونا هاماً في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية.
وَ هُنا نلمسُ
أنّ
أوكرانيا
ستلعبُ دورَ الجامع، و حتى الغراء، الذي سيعزّز التحالف العضوي بين الولايات المُتحدة الأمريكية وَ الإتحاد الأوروبي في بُعدها المُوسّع – بالمناسبة الحكومة الكندية الراهنة أصبحت أقرب إلى بروكسل من واشنطن – و الدبلوماسية الأوكرانية تُسوّقُ لهذا التوجه. و رغم كل هذا الحديث المُشوق، فهل حسابات ترامب البرغماتية تتناغم و هذه الرؤية، التي قد يراها الآخرون أقرب من الرومانسية وَ
بعيدة كل البعد عن الواقع الصلب؟ (التكملة فقط للمشتركين).
*) ملف غير كامل، و من أجل الحصول على المادة بشكل كامل يلزمُ الإشتراك بشبكتنا الإعلامية عبر التواصل مع مركز الأوراس للدراسات الإستراتيجية، الذي يُشرفُ عليه إبن الشعب الجزائري، ضيف الشعب الأوكراني، الأستاذ أوراغ رمضان. لأنّ ما ننشرُه يُمثل على الأكثر 5 بالمئة من الزخم العلمي الذي يُنتجه مركزنا المتواضع المستقل عن الدواوين الرسمية وَ أدواتها المدفوعة الثمن مُسبقاً.
حول خيارات الضمانات الأمنية لأوكرانيا في ظل التعنت الروسي وَ التوافق الأطلسي مع كييف