قوام المنظومة المالية الأوكرانية بين الواقع الإقتصادي وَ الوعود السياسية
أكدت القيادة السياسية الأوكرانية عقب إقرار قانون ميزانية الدولة لعام 2012 م في الشهر الماضي (ديسمبر 2011 م) بأنه ستُطرأ تعديلات على الوثية المالية الأساسية مطلع السنة الجارية – وَ جاء هذا التصريح على لسان النائب الأول لمسؤول مؤسسة الرئاسة بشؤون الإصلاحات الإقتصادية السيدة إيرينا آكيموفا:"سيطلب الرئيس بمُراجعة قانون الميزانية في أقرب وقت مطلع السنة الجديدة وَ بالأحرى في الفصل الأول من 2012 م..". فحسب ما أكدته المسؤولة آكيموفا فإنّ الرئيس يانوكوفيتش سيُطالب الحكـــومة برفع حصة النفقات في المشاريع الإستثمارية، لا سيما في البُنية التحتية وَ بضرورة إيجــاد آليات شفافة لتوزيع الأموال بين الآقاليم في ذات السياق.
وَ بالفـــعل في 11 يناير 2012 م أثناء إجتماع لجنة الإصلاحات الإقتصادية الذي عُقد تحت إشراف الرئيس الأوكراني فيكـتور يانوكوفيتش طالب رئيس الحكومة نيكولاي آزاروف بتحضير ملف تعديلي لميزانية الدولة قبل نهاية الشهر الجاري يتضمن النقط الواردة أعلاه. وَ يؤكد الخبراء من مركـــز الأوراس للدراســـات الإستراتيجية بأنه منطق العائدات المُقيّدة بنصوص قانون ميزانية 2012 م تبقى رهينة التقلبات الإقتصادية المُتوقعة في الأسواق الدولية وَ بوادر الموجة الثانية للازمة المالية تلوح بالأفق إنطلاقاً من تصريحات زملائهم من الإتحاد الأوروبي وَ حتى من روسيا الفدرالية – وَ رغم ذلك تتمتع أوكـــرانيا بمُقاومة نسبية ضمن هياكل إقتصادها القومي.
وَ مـــــنه فإنّه من أجل ضبط مؤشر عجز الميزانية خلال السنة الجارية من أجل ضمان جلب الموارد من المؤسسات التقريضية الدولية (بما في ذلك صندوق النقد الدولي) يتوجب حتماً التقليص من حصة النفقات، وَ قد أكد القائم بمهام وزير المالية خلال الفترة (2009 – 2010 م) إيغور أومانسكي فإنه يُرتقب تقليص النفقات على مُستوى 40 مليار غريفنة خلال السنة الجارية قائلا:"فإذا أخذنا بعين الإعتبار موقف الرئيس فإنه لا يقدم على تقليص حصة تمويل البنية التحتية وَ لكن التقليص سيكون على حساب رواتب الموظفين الحكوميين وَ بعض الحصص الإجتماعية..".
كـــان من الأمثل أن يتم تقليص حصة نفقات ميزانية الدولة على حساب المُفاوضات الأوكرانية الروسية في ملف الغاز الطبيعي لأنه لو تقدم القيادة الروسية على تخفيض تسعيرة الغاز الطبيعي من 416 دولار لكل ألف متر مُكعب إلى 250 دولار فإن الحكومة الأوكرانية ستُوّفر حوالي 48 مليار غريفنة.
الكل يعرف ما آلت إليه سياسة التقشف وَ ترشيد النفقات في السنة الماضية، حيث دفع الأمر بقدماء الحرب الآفغانية وَ تشيرنوبل إلى تنظيم حملات إحتجاجية بلغت ذروتها خريف السنة الماضية: المنظومة القضائية ألزمت الحكومة بدفع ما لا يقل عن 6 مليارات غريفنة لمُقدمي الشكاوي على تصرّف السلطات وَ في النتيجة الدولة دفعت هذا الثمن من خزينة الدولة – فالكل يعي جيداً بـــأنّ المسألة مُرتبطة بالواقع السياسي، فالمُواطن أولا لا يريد دفع الضرائب بالشكل الكامل وَ بالمُقابل يُطالب الدولة بتلبية كل وعودها الإجتماعية المُقدمة له، وَ من أجل جعل حد لهذه "الأزمة" أصدرت المحكمة الدستورية الأوكرانية قرار رقم 20 بتاريخ 26 ديسمبر 2011 م يقضي بأن دفع الحصص الإجتماعية يجب أن يكون ضمن إمكانيات الدولة الإقتصادية المالية بغض النظر على أن الدستور الأوكراني يضمن الحماية الإجتماعية للمُواطن. فهذا القرار يغلق الأبواب أمام "المُنتفعين" من الفراغ التشريعي وَ الأزمة المالية وَ الذين يُحاولون إستبزاز الدولة دون التفكير في مُستقبل الأحفاد وَ سيادة الوطن. لأنّ صندوق التقاعد القومي في أوكرانيا يُموّل عموماً من ميزانية الدولة رغم أن المنطق يؤكد بأنه يجب أن يُموّل من الضرائب المفروضة على أصحاب العمل عند دفعهم لأجور العمال، وَ لكن كما هو معروف فإنّ أغلبية الموظفين يتقاضون الرواتب في الظروف المُغلقة دون تمريرها عبر المنظومة الجبائية – فحصة إقتصاد الظل تبقى على مُستوى 70 بالمئة من الإقتصاد الإجمالي.
إذن فإن قرار المحكمة الدستورية جعل الحكومة تُوفر على الأقل 2.6 مليار غريفنة من الميزانية السنة الجارية لأنّ "الحصص الإجتماعية" كانت النفقة الأساسية في أوكرانيا وَ حصتها 17 بالمئة من حجم المنتوج الإجمالي المحلي – وَ هي نسبة جد عالية مُقارنة بإمكانات الإقتصاد المحلي.
فالمنظومة المالية القومية تُعاني من أزمة حادة وَ لذلك فإن تعيين رئيس هيئة المُخابرات الأوكرانية فاليري خوروشكوفسكي وزيراً للمالية جاء خطوة جريئة من القيادة السياسية لترشيد نفقات الدولة بشكل صارم.
ملف كامل حول "المنظومة المالية في أوكرانيا لعام 2012 م" من إعداد مركز الأوراس للدراسات الإستراتيجية على المُصورة فقط للمُشتركين
|