صناعة الكمبيوتر في الاتحاد السوفيتي السابق
تستحضرني عند كتابة هذا المقال المقولة العربية الشهيرة، "الفرذدق يحفر في الصخر و جرير ينهل من البحر" هذه المقولة فيها شرح لحال أشهر الشعراء الهجائين العرب، فالفرذدق كان شاعرا قليل الانتاج، و يجد صعوبة في انتقاء الالفاظ فأتى شعره قويا متماسكا ثقيل الوزن، بينما جرير سهل اللسان حاضر الذاكرة و البديهة يرد على الفرذدق الصاع صاعين بشعر بسيط المعنى و قوي الفعل. لا تستغرب عزيزي القارئ مقدمة مقال علمي بهذا الشكل الادبي فواقع الفرذدق يطابق واقع الصناعة الالكترونية السوفييتية مقارنة بالصناعات الغربية في تلك الفترة.
لسنا بوارد المقارنات بين التكنولوجيات الغربية والسوفيتية لكن بوارد سرد تاريخي لاهم منجزات السوفييت التقنية في مجال الكمبيوتر و اجهزة الحاسب.
اشتهر علماء روسيا و الاتحاد السوفيتي بالرياضيات النظرية و كان لهم عدة اسهامات في التاريخ، و من الطبيعي مع تقدم العلوم التطبيقية ان تطبق مبادئ الرياضيات في صناعة الكمبيوتر و الحاسبات الالكترونية، و كانت هناك عدة محاولات من قبل السوفييت قبل عام 1940 ، لكن الدخول في الحرب العالمية الثانية و تركيز الدولة على المجهود الحربي أجل هذه المحاولات الى فترة ما بعد الحرب.
بعد انتهاء الحرب من الممكن القول ان اول نظام كمبيوتر متكامل قد بُني ووُضع في الخدمة عام 1950 و هو جهاز:
ماليا إلكتورنايا تشيوتنايا ماشينا بمعنى: الحاسوب الإلكتروني الصغير:
كانت هذه الآلة قادرة على اجراء 3000 عملية في الدقيقة باستخدام 6000 صمام مفرغ، و تستهلك 25 كيلو واط من الطاقة ، بنيت هذه الالة تحت اشراف العالم المرموق سيرجي الكسيفيتش ليبيديف، في معهد كييف لتقنية الالكترونيات.
في عام 1953 ظهر نظام "ستريلة" (السهم) الذي يحتوي على 6000 صمام مفرغ و 60000 صمام ثنائي مصنوع من انصاف النواقل، الامر الذي اعتبر ثورة في مجال الالكترونيات في تلك الفترة و كان فريق التصميم يعمل تحت ادارة يوري بازيلفسكي ، ضم الفريق المصمم العبقري بوريس راماييف الذي سيصمم نظام "اورال" لاحقا في المكتب الخاص السوفيتي للتصميمات رقم 245.
كان نظام "ستريلة" من أول الانظمة التي حوت ذاكرة تستوعب 2048 كلمة تقريبا و تقوم باظهار المعلومات المعالجة على شريط مغناطيسي أو بطاقات مثقبة، مع امكانية طباعة المعلومات على طابعات عريضة باسطوانة مغناطيسية تدور بسرعة 6000 دورة في الدقيقية و تكتب حوالي 4096 كلمة.
قام الاتحاد السوفيتي بانتاج 7 اجهزة من هذا الطراز، وزعت على أكاديمية العلوم السوفييتية، معهد كيلديش للرياضيات التطبيقية و جامعة موسكو الحكومية.
في عام 1954 تقلد فريق التصميم ميدلية ستالين تقديرا لهذا الانجاز الثوري في ذلك الوقت.
بولشيا إلكتورنايا تشيوتنايا ماشينا بمعنى: الحاسوب الإلكتروني الكبير:
و هي تعتبر خليفة النظام المذكور أعلاه بُنيت بين عام 1948 و عام 1951 انتهى تصميمها و تجهيزها رسميا عام 1952 و هو نتاج جهد اكاديمية العلوم و تحتوي 5000 صمام مفرغ و من اهم ميزات هذا النظام قدرته على معالجة الارقام ذات التسع وحدات في السالب الى الارقام ذات العشر وحدات في الحالة الموجبة ، و لديه ذاكرة قابلة للقراءة و الكتابة الى حد 1024 كلمة و بإستطاعة قدرها 30 كيلو واط كحد أقصى.
اهم الاجهزة التي بنيت من هذا الطراز هو الجيل السادس منه، الذي بني في معهد الميكانيكا الدقيقية و هندسة الحاسوب الآلي، يتميز هذا الكمبيوتر باعتماده على انصاف النواقل و وجود عدد من الذواكر الفعالة فيه، اكتمل التصميم عام 1966 و استخدمت اجزاء منه للعمل مع الكمبيوتر الفائق السرعة "البروس" عام 1980، اهم التطبيقات لهذا النظام، المشروع الفضائي السوفييتي خصوصا رحلة ابولو – سويوز عام 1975 و بعض التطبيقات العسكرية كنظام الدفاع الجوي اس 300.
انتج عدد 355 وحدة من هذا النظام حتى ايقاف الانتاج المتسلسل عام 1987، و تم تعديل عدة لغات من البرمجة لتتوافق مع البيئة التشغيلية كلغة فورتران، لوغو، و الباسكال.
نظام أورال، بدأ انتاج هذا النظام عام 1959 حتى عام 1964 و انتج منه 139 وحدة بالمجمل، صُنع في مصنع بينزا لأجهزة الكمبيوتر الالكترونية على نهر الفولغا، تم تصدير هذا النظام الى دول اوروبا الشرقية، استوردت المجر على سبيل المثال ثلاثة اجهزة و بعض هذه النماذج وصل الى اوروبا الغربية و بعض دول امريكا اللاتينية.
استطاع اورال القيام بـ 12.000 عملية نقطة عائمة في الثانية، استخدمت الاجيال الاولى لهذا النظام الصمامات المفرغة بينما استخدم اورال 11 و اورال 14 في عامي 1964-1971 الترانزستورات و انصاف النواقل.
كان اورال يأخذ حيز 90-100 متر مربع و استطاع القيام بعمليات حسابية لمعاهد الابحاث و المصانع و المنشآت التعليمية ، و كان يعمل على تيار ثلاثي الطور و اجهزة استقرار مغناطيسية بقدرة 30 كيلو فولت - امبير، استخدمت الوحدة الرئيسية للنظام لوحة مفاتيح و و وحدة ادخال و تحكم مع قارئ بطاقات مثقبة، و وحدة اشرطة ممغنطة تعمل كذاكرة ادخال و اخراج.
من أشهر مستخدمي النظام، رائد الفضاء المجري تشارلز سيموني، الذي قال بانه سيأخذ بطاقة مثقبة الى الفضاء معه من بطاقات أورال التي مازال يحتفظ بها، لانها تذكره بكل ماضيه.
استمر انتاج الاتحاد السوفييتي لهذه الانظمة، و من اهمها "سيتون"، "مينسك"، و "البروس" ، و تنوعت تطبيقاتها في المجالين المدني و العسكري، خصوصا في ابحاث الفضاء و الدفاع الجوي و الصواريخ الموجهة، و كانت اللبنة الاساسية التي قامت عليها جميع الصناعات الالكترونية في الاتحاد السوفييتي.
لا ننسى أن جهود التطوير في الاتحاد السوفييتي كانت شاقة و فردية في هذا المجال، فالغرب قد منع التعاون التقني مع معاهد الابحاث السوفييتية و كان يطبق حظر قاس و شديد على توريد التكنولوجيا الى الاتحاد السوفييتي و المنظومة السوفييتية، بل و أغرى العلماء السوفييت بالهجرة تارة و الهرب تارة اخرى من اجل تفريغ هذه المعاهد من العقول المبتكرة و المفكرة.
العائق الآخر كان عدم تتطابق المقاييس و المواصفات بين المقياس الصناعي السوفييتي و المقياس الصناعي الغربي الموحد مما جعل انظمة الكمبيوتر السوفييتية غير متوافقة فنيا مع مثيلاتها في الغرب، و هذا جعل عملية التطوير و التحديث لهذه الانظمة في غاية الصعوبة من الناحية الفنية، فانقسم العالم الى قسمين في ذلك الوقت استخدمت دول المنظومة الشرقية المواصفة القياسية السوفييتية، بينما استعملت بقية الكرة الارضية المقياس الغربي الموحد، و مع انهيار المنظومة الشرقية وتوقف معاهد الابحاث السوفييتية و المصانع هيمنت المواصفة الغربية على صناعة الالكترونيات في العالم بما فيها صناعة الكمبيوتر، فدخلت انجازات العلماء السوفييت المتاحف و بقيت قلة قليلة منها تعمل بخجل في منظومات الدفاع الجوي القديمة.
المهندس . حازم صقــر
الحلقة القادمة : انظمة الكمبيوتر السوفييتية ذات التطبيقات المنزلية - التعليمية
إنّ هذه المادة غير كاملة، فإذا أردت أن تحصل على موادنا التعليمية، يتوجب عليك الإتصال بنا وَ حجز كُتبنا القيمة بالإشتراك بنادي الطلبة أو ببيت الإبداع العربي الذي يضم أعضاء مُختصين في مُختلف مجالات المعرفة وَ العلوم، وََ المهندس حازم صقر عضو شرفي يعمل دوماً لصالح تطوير المنظومة التربوية وَ التعليمية
06 نوفمبر 2009 م
|