أبناء الجـــاليات
حول خوارزميات الغاز الطبيعي بالنسبة للإقتصاد الأوكراني

البــــث الرقمـــي
محطات الأوراس:السفارة الليبية لدى أوكرانيا تحتفل بالذكرى الثانية لثورة 17 فبراير المجيدة

واحة البكالوريا
مقدمـــة في الفيزياء (السنة الدراسية 2012 – 2013 )

آرشيــفات المُصـــوّرة

كُتّـــاب اليــوم

الثقافــة

الكـــــأس المقلوب: الرأسمالية على الطريقة العربية - الحلقة الحادية عشرة

المؤلف: أوراغ رمضان

تاريخ النشر: الأحد 29 أبريل 2012 الساعة 22:06
حُرّرت في: كييف

هــا هو محمُود يلتقي آخيراً مع صديقـــه مروان في مطعم القبــــو لبتادل آخر المُستجدات حول ما يحدث في مصراتة الشام كما أصبح يُطلق على مدينة حمص من طرف بعض الشباب المُعارضين، إزداد محمود كآبة وَ حسرة من كل ما حصل له: فالوطن في دمـــــار وَ إبنه ساشا غادر مع صديقته لينا إلى القرم للإستجمام فقد حوّل لــه مبلغـــاً من المال عن طريق بنـــك بريفات بطريقة "الميتيفا" التي تعني التحويل السريع – فهو أصبح غريباً عنــه كُلية وَ لا يعرف هواجس إبنـــه الوحيد الذي خلّفه في سوريا وَ لكن أطلق عليه إسم "ساشـــا" لأن زوجـــته أرادت ذلك وَ بضغط من حماته بيتروفنا وَ حتى أنها عارضت مشروع الختــــان بحُجة أن كثيراً من أصدقائها عانــوا كثيراً خلال أيـــام الحرب الوطنية العظمى وَ المعروفة في مُعجم التاريخ العصري بالحرب العالمية الثانية عندما كــــان يُداهم الجنود الألمان القرى الأوكرانية و كانوا يكشفون عن قومية الشخص بطريقة خـــاصة وَ هي العجوز بيتروفنا تظن أنّ التاريخ مُمكن أن يُعيد نفسه؟

وَ لذلك ساشــا لم يُختن وَ لا يعرف اللغة العربية إطلاقاً، ناهيك عن إعتناق الإسلام – فهو يرفض كيان أبيه إطـــــلاقاً وَ ينعته بالشخص المُتحجز وَ المُتخلف وَ حتى أنــه لا يُحب الظهور في جواره أمام زمـــلائه الأوكران لكي لا يعرفون أنّ أبــــاه عربي، وَ تحت غزارة الأخبار التي تأتي من الوطن وَ تصرّفات إبنــه الطائشة إرتئى صـــاحبنا محمود أن يُشارك صديقــة مروان قنينة العرق التي باعه أياها زميـــل لهما من الحزب الشيوعي العراقي وَ تاريخها يعود إلى بداية الثمانينات وَ قد نُسي أمرها في مُستودع عمه (أب زوجته السابقة) فلاديميروفيتش بالقرية بالقرب من مدينة تشيرنيغوف وَ حان وقت تدشينها وَ تذوقـــها في أيام الإنقلابات وَ الفوضى الخلاقـــة.
- أنــا أتذكر بيتروفيتش وَ هو إنسان يحب المرح وَ الإنبساط وَ الحقيقة أنه يستحق وسام "الصبر الذهبي" لأنه ما شربها طوال هذه المدة – حاول مروان أن يُنعش وجدان محمود الذي بدت عليه علامات الشيخوخة وَ هو يتأمل كيف يصب زميله الكـأس الأول من القنينة وَ ضوء المصباح الكهربائي ينعكس بتألق على جبينه وَ كثافة دخان الأرجيلة حجبت الرؤية كلية عن شاشة التلفاز وَ لكن صوت مُقدم البرنامج يملء القبو بكـــلامه الروتيني حول ضرورة التدخل العسكري في الشأن السوري وَ قد تبعثر كل ذلك مع صوت بكاء إبنــه ساشا وَ هو يحمله ضريعاً وَ يجوب به عرفة أخيه أسامة الذي سقط شهيداً يوم الجمعة الماضي بعد خروجــه من صلاة الجمعة بمسجد الحي.
- كل ما في الأمر أن بيتروفيتش كان لا يعرف أن القنينة هو مشروب روحي وَ قلت له بأنه سمّ للفئران وَ الجرذان لكي لا يقترب منه بتاتاً – جـــاءت إجابة محمود ثقيلة وَ عفوية وَ هو يمسك برغيف الخبز ليتناول لقمة الحُمص بعد أن شرب جرعة من العرق لأول مرة بعد سنين طويلة.
- لقد تذكرت يا محمود لقد شربت العرق آخر مرة في السكن الطلابي مع أستاذ الإقتصاد السياسي وَ على ما أعتقد كان ستيبان أوليغوفيتش و هو الذي كان يشرف أيضاً على كلية طلبة الأجانب فكل مرة يأخذ هدية مني وَ هو سر نجاحي في مهنتي حيث أصبحتُ من رواد تجارة البالي رغم أن إختصاصي مُهندس معماري – أطلق مروان هذه الكلمات مثل طلقات رشاش الكلاشينكوف حتى أن جميع زبائن مطعم القبو سمعوا كلمة "ستبيان بيتروفيتش" بوضوح تام وَ بالمُناسبة هو نفس إسم مدير مصلحة الضرائب في المنطقة.
- إذن أنت خبير في المسائل الإقتصادية بما أنك كُنت تسكر مع بروفيسور في هذا المجال وَ كما أعرف بأنّ تلقين الدروس في حالة السكر هي أفضل وسيلة للتعليم، أليس كذلك – بدت علامات السكر على محمود لأن لسانه بدأ يثقل وَ عيناه أصبحتا جاحظتين وَ في هذه اللحظة رن جرس هاتفه النقال وَ لكنه لم يرد عليه.
- رد على الهاتف يا محمود لعل الأمر يستحق العجالة – حاول مروان أن يُقنعه وَ يرفـــع السماعة وَ لكنه رفض لأن إبنـه ساشا كان منذ الصباح يطلب منه إرسال بعض المال إلى القرم لكي يدفع مستحقات الفندق وَ الفاتورة تفوق الخمسمائة دولار، كلما كبر إبنــه كلما إرتفعت قيمة الفاتورة وَ لكن أغلى فاتورة دفعها كانت حياته الشخصية التي قدمها قربانـــا للحظة لذة عابرة مع طالبة في أيام الدراســـة قبل حوالي عشرين سنة.
- خبرني عن ما تعرفه عن الإقتصاد السياسي يا صديقي مروان؟ - فبعد أن غلق الهاتف نهائياً توجه إلى صديقه بهذا السؤال المهم وَ أضاف قــائلا: حدثني يا عزيزي مروان عن مغزى الإقطاعية، الإشتراكية، الشيوعية وَ الرأسمالية؟
- وَ الله يا محمود أنت إنسان مهموم وَ كئيب وَ القنينة لم تحل مشاكلك وَ لكن سأحاول أشرح لك كل هذه المفاهيم بأسلوب لطيف وَ كوميدي. فالإقطاعية هو عندما تملك بقرتين وَ تُقدّم بعض الحليب لسيدك وَ أما الإشتراكية فعندما تهدي بقرة لجارك وَ تترك الأخرى في حوزتك.
- تعريف وجيه للإقطــــاعية وَ الإشتراكية يا مروان أظن أن دروس أوليغوفيتش لم تذهب هباءً منثوراً وَ ما هو تعريفك يا تُرى للشيوعية كون هذه القنينة كانت غنيمة من الحزب الشيوعي العراقي؟
- يا صديقي محمود الأمر واضح جدا فالشيوعية في هذه الحالة أن الدولة تأخذ منك البقرتين وَ تعطيك قليلا من الحليب، فيما أن النظام الشمولي سيسحبك البقرتين وَ ثم يسحبك شخصياً لخدمة العلم – أجاب مروان بكل راحة وَ علامة السكر برزت على أنفه لأنه أصبح يميل إلى اللون الأزرق.
- مروان! أنت عبقري من الدرجة الأولى وَ لذلك أنا أريد منك تعريف خاص للديكتاتورية بإستعمال البقرتين؟
- الدكتاتورية يا عزيزي أن تصادر الحكومة البقرتين وَ أنت تُرمى بالرصاص مباشرة دون حكم أو تحقيق وَ أما الحليب فيُحظر من التسويق قطعا لأنه وسيلة تحررية وَ مصدر قلق لأجهزة الأمن و له حكاية في آواسط الشعب المُتضطهد – وَ في هذه اللحظة تبث قناة الجزيرة مباشر صور فضيعة عن مجزرة في مدينة حمص وَ أحد المواطنين يُردد "الله لا يردك يا دكتاتور.." وَ هنا يسود الصمت قاعة مطعم القبو وَ الجميع يُحاول أن يفهم ما يتكلم عنه البروفيسور مروان – وَ هو حقاً أصبح أستاذ أو فيلسوفا لأنــه أدلى بتعاريف مهمة إلى حد ما و يُواصل مروان درسه القيم:
- أما الرأسمالية التقليدية فهي واضحة كوضح النهار فتقوم ببيع بقرة وَ تشتري بثمنها عجلا وَ ثمّ تتكاثر البقرة الأخرى وَ يصبح لديك قطيعا كاملا وَ هنا فإقتصادك ينمو مع نمو قدرة العجل على العمل وَ المُثابرة، وَ أخيراً تبيع كل القطيع لتصبح مُتقاعداً.
- هذه طريقــة الرأسمالية في العالم الثالث لأنّ رأسمالنا هو الشعب وَ الأمة – قاطع أحد المُستمعين الكرام مُــحاضرة البروفيسور مروان وَ هو شاب أردني من أقطاب الجالية العربية ينشط في تجارة المواد الغذائية وَ مؤخـــرا فتح سوق البالي في منطقة "التروياشينا" وَ لكن مروان واصل سرد حديثــه:
- أما الرأسمالية على الطريقة الأمريكية فهي كالتالي: تبيع إحدى البقرتين وَ تُجبر الثانية على رفع حجم الحليب أربع مرات وَ بعد فترة تلجـــأ إلى خدمات المشتشار البيطاري وَ تدفع له مبلغــا مُحترماً لكي يشرح لك سبب موت البقرة الثانية... وَ هو سرد حقيقى للتدوال الأمريكي على الرأسمال.
- عموماً المُستشار هو مُمثل القومية العربية الذي هجر إلى الولايات المُتحدة الأمريكية هروباً من قمع الإقطاعية العربية أو الدكتاتورية البــــ... – و هنا قاطع أحدهم الفوضوي كان هذا تعقيب الشاب الأردني ذاته وَ لكن مروان لم يكترث وَ يُواصل إلقاء مُحاضرته في مطعم القبو:
- أما الرأسمالية على الطريقة الفرنسية فهي أنت تملك البقرتين وَ لكنك تنزل إلى الشارع في حملة إضراب شامل وَ تقوم بتكسير كل شيء في طريقك وَ تطالب الحكومة بالبقرة الثالثة، وَ لكن على الطريقة الإيطالية فهي جد مُختصرة وَ لطيفة لديك بقرتين وَ لكنك لا تعرف مكان تواجدهما وَ أنت تبحث عنهما بدون جدوى وَ بعد جُهد كبير تخلد إلى زاوية في مطعمك المفضل وَ تطلب صحنا من السباغيتي – هنا يُقاطع هذه المرة شاب ليبي وَ كان يستمع إلى مروان منذ البداية قائلا: نحن نعرف هؤلاء الإيطاليين أصلا لا يحبون لا البقر وَ لا البعير فهمهم الأول وَ الأخير الصراخ وَ النبيذ حشى البعض من هواة الأوبيرا. وَ لكن مروان يُواصل المُحاضرة:
- الرأسمالية على الطريقة الإسبانية يا شباب أهم وَ لكن الشخص الإسباني يُفضل تربية العجول، فهو يملك عجلين على سبيل المثال فيقوم برميهما في ساحة الكوريدا لكي يتنزه وَ بعد التخلص منهما يستمتع وَ يخلد إلى السييستا (نومة القيلولة).
- فضحنا يا مروان بهذا الإيقـــاع من السرد المُمل أنا مُشتاق للرأسمالية على الطريقة العربية – كان هذا صديقنا محمود فقد بدأ السكر يتبخر من جسمه عبر شعره وَ عينيه الجاحظتين، وَ لكن مروان لم يكترث هذه المرة بصديقه مروان وَ واصل الحديث:
- يا شباب كل هذا مهم لكن أريد أن أؤكـــد بأنّ الرأسمالية العصريـــة على سبيل المثال طريقة الميلياردير سوروس فيُمكن تلخيصها كالتالي: أنت تملك بقرتين وَ لكن عبر البورصة وَ المناقصات الأخرى تعقد صفقة بيع لثلاث بقرات لشركة فرعية لك مُسجلة بكوريا بجلب قرض من مصرف بروكسل مُسجل على إسم حماتك وَ بعد كل ذلك تقوم بشراء البقرتين وَ بقرتين أخريتين بإستعمال خدمات سمسار أمريكي وَ ثم يمنحك كل هذا القطيع لكي لا تدفع ضرائب لصفقة شراء البقرة الخامسة وَ ثـــــمّ تحصل على مُساعدات من برنامج تنماوي أوروبي لأنك وفقاً للوثائق أنت تُنتج حليب من ست بقرات وَ التي تستثمرها مرة واحدة في مشروع آخر لشركتك الفرعية المسجلة في كوريـــــا وَ في الإستمارة الجبائية السنوية تكتب بأن لديك حضيرة من ثماني بقرات وَ بعد الحملة التفتيشية من مصلحة الضرائب وَ عندما يجدوا أن حضيرتك فارغة وَ يوجد فيها قط عابر وَ فأران تبدأ بالتبجيل وَ القسم بالمقدسات الكبرى بأنك لا تعرف كيف حصل ذلك وَ أنت حسب الوثائق شخص غني ملياردير تحب الحيوانات وَ تحارب المجــــاعة في إفريقيا.
- أنت غلطان يا مروان هذه رأسمالية تشبه نوعـــــا ما تجارة الشباب في التسعينات وَ كلهم مليارديرية إلى حين – كان هذا صوت أبو آس عنطاس مناضل شيوعي بواجهة بعثية نفعية مُفلس على جميع الأصعدة. وَ مروان دومـــا لا يكترث وَ يُواصل درسة في مادة الإقتصاد السياسي:
- أما الرأسمالية على الطريقة السويسرية فحدث وَ لا حرج لديك خمسة آلاف بقرة وَ لا تملك حتى واحدة من كل هذا القطيع وَ لكنك تحلبها كلها وَ تأخذ أموال من أصحابها لأنك تحرسها... وَ لكن يا شباب سأحاول أن أعرف برأسمالية على طريقة معروفة وَ أريد منكم ذكر المنطقة أو الدولة التي تخص ذلك؟
- نحن على إستعداد وَ الشعب يريد أن يسقط النظام – جاءت الإجابة جماعية وَ بشكل فوضوي وَ هنا بدأ مروان يسرد تعريفه الأخير:
- الكل يعتقد بأن لديك قطيع كبير من البقر، وَ أنت تُحاول أن تقنع الجميع بأنك لا تملك شيئاً وَ لكنهم لا يصدقون وَ ثم يقومون بقصفك بطائراتهم من كل صوب وَ يحتلون كيانك، وَ لكن تبقى دومـــا بدون بقر وَ لكن تصبح جزءاً لا يتجزء من الديمقراطية الكونية؟
- مروان تريد إستفزازنا وَ الله أنت غشيم الكل يعرف من هو المقصود من هذا التعريف – كان هذا تعقيب أبو آس عنطاس وَ لكن مروان يُواصل:
- أما الرأسمالية التي سأعرفها الآن معروفة لدى الجميع: لديك بقرتان وَ لكن عندما تقوم بعدها تجد بأنه أصبحت خمس بقرات، وَ ثم تحاول عدها مرة أخرى وَ تجـــد أن قطيعك يحتوي على 47 بقرة وَ ثم تعدها مرة أخرى فتجد أن عددها 14 بقرة وَ هي مشكلة فالعدد بدأ ينقص إذن حان الوقت لفتح قنينة أخرى.
- هذا أمر آخـــر لأن الكل يعرف أن التعريف الأخير هو الرأسمالية على الطريقة الروسية .... (روايـــة يكتبها الأستاذ أوراغ رمضان)


المصدر: بيت الإبداع العربي


يُسمح التعليق فقط للمُسجلين في شبكة الأوراس الإعلامية التسجيل
الكنية:
الكلمة السرية:
نص التعليق على المقال:

لم ترد بعد أي تعليقات على هذا المقال
صدى الدبلومــاسية
سفير أوكرانيا لدى الإتحاد الأوروبي: يجب إقصاء روسيا من إحتضان بطولة كأس العالم لكرة القدم في 2018 م

أخبار اليوم:الاثنين 10 ديسمبر 2018

صــدى الجـاليات
جلسة عزاء ترحما على روح أم العبد في أوكرانيا

إعلانــاتكم