غصة و خنقة
في الحي الذي أعيش فيه، كنت أشعر بالوحدة والملل الفظيعين، ويعود السبب في ذلك لبعدي عن مؤثرات الحضارة العربية في مدينة خاركوف كالشاورما و المناسف والفول والحمص ...! حتى أنه في بعض الأحيان كنت أقطع المسافات الطويلة مستخدماً محطات الميترو العديدة و التاكسي والحافلات والترليبوس حتى أنني ركبت الترامفاي لأذهب الى مركز حضارتنا العربية (منطقة الستودينشكايا ) من أجل تناول صندويشة فلآفل أو مشاوي عربية أو منسف أو شيش طاووق ! حقاً أنني عربي ولكني بعد هذا اليوم اليوم فإنني لن أضطر لقطع تلك المسافات الطويلة من أجل صندويشة أو وجبة عربية لان الحلم العربي تحقق وانتقلت الطقوس والحضارة والثقافة العربية الى مركز المدينة، وتحديداً الى الحي الذي أعيش فيه ( يعني الحضارة صارت عنا ) يا سبحان الله ما أسرعنا في نقل حضارتنا
في ليلة وضحاها وبقدرة قادر أحد تم بعون الله افتتاح مطعم عربي لتقديم الوجبات السريعة من اللحوم والمشاوي والشاورما وعروض خاصة لأبناء لغة الضاد كالفلافل والمسبحة والفول والمناسف
المهم يا جماعة الخير وبلا طول سيرة عليكم
منذ يومين وأثناء عودتي من عملي، وفي طريقي إلى المنزل بالقرب من المطعم العربي دخلت رائحة اللحوم المشوية والشاورما إلى أنفي كسرعة البرق فاشتهيت على صندويشة شيش طاووق، وأيضا كسرعة البرق حذفت الفكرة من رأسي مخاطباً نفسي لم يبقى سوى بضعة أمتار و أصل إلى منزلي، وبعد التفكير ودراسة الموضوع تغلبت الرغبة على الحيرة والتردد ، وخاطبت نفسي مرة أخرى أولاً وأخيراً أنا عربي يعني مشهون !!
دخلت الى المطعم و بعد السلام والمجاملات العربية المعتادة طلبت من عامل المطعم العربي صندويشة شيش طاووق وبالفعل بدأ بتحضير الصندويشة ... بعد عدة دقائق دخل إلى المطعم شاب ذو ملامح عربية واضحة مئة بالمئة، وسئلنا ( الشباب عرب )؟؟
للوهلة الأولى ارتبكت وضاعت كلاماتي وتشتت أفكاري للرد على الشاب، و نظرت الى عامل المطعم باستغراب ومع لحظات من الصمت نظرت الى الشاب ذو الملامح العربية الواضحة وأجبته
ليس لدينا عيون خضراء، ولا زرقاء، وبشرتنا حنطيه أو سمراء وليست بالبيضاء، و شعرنا أسود... إذاً نحن عرب ... فابتسم ابتسامة لم أرى مثلها طول فترة حياتي
وأجابني ( يمكني أن أقول السلام عليكم ورحمة الله ) فأجبناه وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
المهم طلب الشاب من عامل المطعم أن يحضر له وجبة بيتزا (المرغريتا ) و أن يعطيه علبة بندورة مطحونة سائلة ( كان يقصد الكاتشب ) وأضاف: " أريد أن أخذها معي الى البيت.."
فأجابه العامل :".. تكرم عيونك بالأول سأنتهي من صنويشة الزبون ( أنا )، من ثم سأبدأ بتحضير وجبتك
فأجابه خذ وقتك الكافي يا شيخ الشاب.
بعد دقائق جهزت صندويشتي، و أخذتها من يد العامل وطبعاً شكرته، وجلست على إحدى الكراسي الموجودة بالمطعم، وأنا أشعر بأن ذلك الشاب يراقب تصرفاتي وتحركاتي بالمطعم الواحدة تلو الأخرى منذ استلامي للصندويشة، ولكن لم أعطي للأمر أي أهمية
قلت بسم الله الرحمن الرحيم، وبدأت تناول الصندويشة
اللقمة الأولى - شعرت بحرقة قوية في فمي – فنظرت الى الشاب فغير نظره باتجاه سيخ الشاورما !!
فوضعت الصندويشة على الطاولة، وذهبت لإحضار المحارم ومن ثم رجعت، وإذا بالشاب ينظر إلى الصندويشة، وعندما لاحظ قدومي غير نظره باتجاه التلفاز
اللقمة الثانية – أصابتني غصة قوية ولم أعد أستطع بلع اللقمة فسارع عامل المطعم بإعطائي زجاجة ماء للتسهيل عملية الهضم، وبسرعة كسرعة البرق نظرت إلى الشاب وإذا به ينظر الى الصندويشة، وحينما لاحظ إني رأيته غير نظره باتجاه السقف
وأخذت وقتا قليلا من الراحة وبدأت بالتفكير مع نفسي ( لك شو القصة والحكاية ما طول عمري أأكل الصندويشات من دون منغصات ) وتتشتت الأفكار وضاعت الكلمات
اللقمة الثالثة – الله لا يجعلها لقمة وخلال تناولي للقمة أصابني اختناق، وبدأت بالسعلة والكحة و عيونكم ما تشوف يلي حصل ركض عامل المحل بدأ يضربني على ظهري لمساعدتي ( و شاهدت الموت بأم عيني ولكن كسرعة البرق ألقيت نظرتي السريعة على الشاب العربي وإذا هو ينظر إلى الصندويشة، وكعادته غير نظره باتجاه الموبايل الذي كان يحمله في يده
الحمد الله انتهت السعلة والكحة ويعود الفضل لله سبحانه وتعالى ومن ثم لعامل المطعم
شكرت العامل على مساعدته لي، ومن ثم نظرت الى الصندويشة النحس وسألت نفسي عن ما هي قصتها في هذا اليوم ؟؟!!
بطبعي أنا لا أحب الاستسلام بسهولة قررت أن أتناول الصندويشة حتى النهاية
اللقمة الرابعة – ما أن وضعت الصندويشة في فمي و إذا بالسعال يصيبني للمرة الثانية وتقع اللقمة الرابعة على الأرض
لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم .
وفي تلك الأثناء قام عامل المطعم بإعطاء الشاب العربي وجبة البيتزا فأخذها وشكره، وبدأ بالخروج من المطعم
فنظر نظرته الأخيرة الى صندويشتي المتواضعة والحزينة، وودعها كأنه يودع أهله وأقاربه وخلانه. وخرج وأغلق الباب بكل هدوء.
اللقمة الخامسة والأخيرة يا سبحان الله كانت سلسة وسريعة الهضم وشعرت بطعمها اللذيذ، وأخيراً شعرت بمتعة الطعام وخصوصا متعة الشيش طاووق
وبسرعة كسرعة البرق تذكرت كلام أحد الأصدقاء الأوكران ميخائيل عن رفضه، و عدم محبته دخول المطاعم التي يتواجد بها بعض شبابنا العرب لأنهم بحسب قوله ينظرون بنظرات الدهشة والاستغراب إلى أهل البلد وهم يأكلون – يمزحون – يضحكون – يشربون، والتي بدورها تزعج الشعب المضيف
و ها أنا اليوم سأضيف جملة إلى كلام صديقي ميخائيل ( وبعض شبابنا العرب عيونهم بصحون غيرهم، وليس فقط بل بالكثير من الأشياء الأخرى وفهمكم كفاية )
بقلم المهند كلثوم – خاركوف
تعمل مؤسسة الأوراس للخدمات العامة على التواصل الحضاري بين أوكرانيا وَ الشعوب العربية و الإسلامية، و نحن دوماً في إنتظار أي حوار بناء يخدم مصلحة المُجتمع الأوكراني وَ يعمل على إزدهاره
17 – 11 – 2009 م
|