ذكرى مُستمرة ... لذكرى مستدامة: قصة خدلان أذلّ الأمة العربية إلى الأبد
لا تعتبر نكبة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين مناسبة مثل باقي المناسبات التي تمر ونتذكرها أنها مرت بنا في يوم من الأيام مثلما نتذكر الحرب العالمية , أو ذكر خروج احتلال , او تنصيب ملك ما في يوم من الأيام . فالنكبة أصبحت مستدامة , ونحن نحس بوجعها في كل يوم , فالاحتلال الصهيوني لفلسطين يزداد والضعف العربي مازال مستمرا , وربما يزداد ويستفحل أكثر يوما بعد يوم
من تخاذل , إلى الاكتفاء بالتنديد , حتى وصل إلى أبشع من ذلك حين وجدنا أن دولة عربية تحاصر الشعب الفلسطيني بينما الجيش الاسرائيلي يقصف غزة بكل ما أوتي من قوة
في ظل سكوت وربما رضا المجتمع الدولي الذي ضربت إسرائيل به وبقراراته عرض الحائط , بل بنت له جدار يحيط بإسرائيل ويحميها من ضربات المقاومة , ومكانا وجدراناً لكل من يعترض على أفعالها حتى يضرب برأسه فيه .
15 ايار1948 تاريخ اسود يمر على الأمة العربية بغصة , لكن الأنكى من ذلك أن هذا التاريخ أصبح مثل باقي الأيام التالية له , فهي مذبحة وتطهير عرقي لشعب في أرضه , , فالعدو الصهيوني كان ومازال يمارس ما فعله قبل 15 ايار عام 1948 التي سميت مجازا ذكرى النكبة , حتى اليوم لتصبح النكبة مستمرة ومستدامة ومستفحلة فما هي النكبة .
ما النكبة؟ إنها فصل الشعب عن أرضه، وهي طرد أهالي 531 مدينة وقرية من ديارهم عام 1948، وهم حينئذ 85% من أهالي الأرض التي أصبحت تسمى زورا وبهتانا "إسرائيل".
وتبدأ قصة النكبة واقعيا عام 1917م حيث خانت بريطانيا وعودها للعرب بمنح الاستقلال لهم بعد أن خدعتهم بـ"تحريرهم من الأتراك" (الدولة العثمانية)، وأصدرت في الثاني من نوفمبر 1917م على لسان وزير خارجيتها آرثر بلفور وعدا «ينظر بعين العطف» إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.. وكان هذا وعداً من لا يملك لمن لا يستحق دون علم صاحب الحق.. وخلال 28 عاماً من حكم الانتداب البريطاني، سنّت بريطانيا القوانين واتخذت الإجراءات التي سهلت إنشاء هذا الوطن حتى أصبح .
أن المواطن العربي كان وما زال يستغرب كيف لعصابة مثل الصهاينة أن يتغلبوا على أمة فيها الملايين من المواطنين وملايين من المقاتلين لكن يعرف أن التخاذل والتهاون هو الذي أهدى فلسطين للحركة الصهيونية وليس وعد بلفور فقط ,حيث يكفي أن نذكر أن الجيش العربي الذي تصدى للمقاتلين اليهود بلغ فقط 21 الفاً من المقاتلين من ثماني دول عربية هي (مصر ,سورية , لبنان ,العراق ,الأردن , السعودية ,السودان ,اليمن ) بالمقابل كان عدد الأعداء حوالي 67 الف مقاتل,رغم أن الكيان الصهيوني أعلن الحرب على فلسطين ونشر نيّته بذلك , وبهذا ينتفي عنصر المفاجأة في عدم التحضير وجمع الحشود لطرد المغتصب ,
خلفت النكبة وراءها حوالي 900 ألف لاجئ طردوا من 531 مدينة وقرية، نزحوا إلى الجنوب المتبقي في قطاع غزة، وإلى الشرق فيما أصبح يعرف بالضفة الغربية، وإلى الشمال نحو سوريا ولبنان. وأصبحت النكبة بقعة سوداء في التاريخ العربي دفع ثمنها قادة وحكام بحياتهم، وأزيلت عروش وسقطت أنظمة، ولا يزال يدفع ثمنها اليوم 5 ملايين لاجئ داخل فلسطين وحولها في الشتات. نقلت إسرائيل قواتها من الجنوب إلى الشمال، واحتلت الجليل بأكمله و12 قرية من لبنان في أوائل نوفمبر 1948، وسيطرت بذلك على كامل شمال فلسطين، وتعدت الحدود اللبنانية عند أصبع الجليل.. ولم يحدث قط خلال حرب فلسطين أن تدخل جيش عربي لمساعدة جيش عربي آخر في محنته، وكانت إسرائيل تنتقل من جبهة إلى جبهة بينما ينتظر الآخرون مصيرهم مستكينين.
استأثر الجليل بأكبر عدد من المذابح، وذلك لأن المنطقة جبلية، ولترويع الأهالي الذين رفضوا النزوح من الجليل، واقترفت إسرائيل في الجليل 24 مذبحة (من أصل 34 مذبحة أمكن تسجيلها)، ولم تخل قرية واحدة من قتل أو تدمير أو ترويع.
فقدت الدول العربية قدرتها على القتال لإنقاذ الأهالي، ولم تستطع ردم الخلافات بينها وتكوين قيادة موحدة؛ ولذلك سارعت إلى توقيع اتفاقيات هدنة مع إسرائيل، بداية بمصر ثم الأردن ولبنان وأخيراً سوريا.
وبعد توقيع الاتفاقيات، احتلت إسرائيل دون طلقة رصاص واحدة النقب الجنوبي حتى وصلت إلى أم رشرش (إيلات الآن)، وزرعت علمها على خليج العقبة، وبينما كانت مفاوضات الهدنة تدور، تنازل الملك عبد الله عن 436 كيلومترا مربعاً في المثلث الصغير الخصب والمليء بالسكان.
وحسب شروط الهدنة خرجت القوات المصرية المحاصرة من الفالوجا بكامل سلاحها، وتخطت بذلك إسرائيل خط التقسيم في جميع الجهات باحتلالها 78% من أرض فلسطين أي بزيادة 24% من مشروع التقسيم، فاحتلت الجليل الأوسط المخصص للدول العربية، واحتلت مثلثاً يصلها بالقدس عبر اللد والرملة، رغم أن القدس منطقة دولية وما حولها عربي، حسب قرار التقسيم.
وفي الجنوب تمددت إسرائيل نحو البحر الميت، واحتلت مدينة بئر السبع العربية، واحتلت ثلثي المنطقة الساحلية المخصصة للعرب التي بقي منها قطاع غزة الصغير.
إذاً النكبة ليست مقتصرة على أن جيش غريب عن جسد الأمة العربية احتل دولة عربية , بل النكبة والنكسة عندما يقوم المهتم بالمقارنة في كل شيء بين مقدرات العرب من المحيط إلى الخليج مع جيش الاحتلال الذي استطاع أن يتفوق على جيوش الأمة العربية الذين لم يستطيعوا أن يحشدوا له إلاّ ثلث عدده , ونحن نعرف التفوق العربي الجغرافي والسكاني وحتى الاقتصادي آنذاك , إذاً من باع فلسطين , سؤال سيبقى في البال ولن نجد له إجابة قط طالما أن هناك الكثير من تجار الدم لهم يد طولى في الاحتلال وبقائه , فوجودهم مرتبط بوجود الكيان ومصالحهم مرتبطة بجريان الدم الفلسطيني .
مراجع:
الأرقام وَ الإحصائيات: كُتيب حقيقة التفوف الإسرائيلي – نبيل شبيب
مجموعة أبحاث وَ كتب ذكرها الكتيب السابق
بقلم الأستاذ عبد الرحمان السيد – أوديسا (أوكرانيا)
مواد تحليلية ينشرها مركز الدراسات الإستراتيجية في أوكرانيا
15-05-2009 م
|