لماذا لا تقوم أوكرانيا بضخ الغاز إلى المستهلكين الأوروبيين؟
إنّ المعضلة الأساسية التي جعلت الغاز الروسي لا يصل إلى المُستهلك الأوروبي تتمثل في "التشكيلة الهندسية" لمنظومة الأنابيب التي صُممت من طرف مُهندسي موسكو قبل أكثر من أربعين سنة، و تجدر الإشارة إلى أنّه سابقاً كانت الحقول الأوكرانية، المتمركزة في الأقاليم الغربية، تُغذي تقريباً كل الصناعة السوفياتية بالغاز الطبيعي لعدة عقود من الزمن و الهدف مفهوم: روسيا كنواة الأمبراطورية السوفياتية تستعمل أولا موارد الدول "المتحالفة" أما مواردها فتبقى في الإحتياط لأنّه لا توجد ضمانات تاريخية بأنّ أوكرانيا ستبقى حليفة لموسكو مستقبلاً فالمناطق الشرقية من التراب الأوكراني – حسب تصميم المركز السوفياتي – تُغذى حالياً فقط من القنوات التي تقدم من روسيا الفدرالية، وَ من الصعب أن تستفيد من الإحتياط الموجود في الشطر الغربي من أوكرانيا، وَ لذلك عندما قرّرت شركة "غاز بروم" تخفيض الضغط في الأنابيب من الجهة الشرقية، جعلت أكثر من ستة أقاليم شرقية (دونيسك، لوغانسك، تشيرنغيف، خاركوف، زاباروجيا وَ جزء من دنيبروبيتؤوفسك) تعاني من النقص الحاد في هذه المادة الأولية بالنسبة للصناعات المحلية، ناهيك عن الإستعمال المنزلي. فلم يبقى على السلطات الأوكرانية إلا تحويل عمل منظومة الأنابيب في الجهة العكسية، حيث بدأت المنظومة تعمل بشكل ذاتي وَ تغذي المناطق المستهدفة من مصدرين: الغاز الطبيعي الموجود في المخازن الإحتياطية وَ من الحقول المحلية
إضافة إلى أنّ ضخ الغاز الطبيعي إلى المستهلك الأوروبي يحتاج إلى كمية معينة من الغاز لضمان عمل المضخات بضغط مستمر،و يُطلق على هذا الغاز بـ"الغاز التقني"، و بما أنّ البنية التحتية في أوكرانيا جد :عتيقة" فهي تستهلك كميات كبيرة من الغاز التقني تعد بالملايين من الأمتار المكعبة و قيمته تدفع من الجيب الأوكراني و وه إرث للتقنيات السوفياتية
فعلا أوكرانيا أصبحت رهينة الإرث السوفياتي، وَ كما هو معروف فإنّ إعادة ترتيب الأمور بشكل يجعل المنظومة تعمل في الإتجاه الأوروبي يتطلب وقتا مُعتبراً يصل إلى ستة وَثلاثين ساعة على الأقل
فعندما قامت شركة "غاز بروم" بتوقيف الإمدادات في أول يناير الجاري، كان خبراؤها على علم اليقين بأنّ أوكرانيا ستكون مضطرة على تغيير مسار الضغط في الأنابيب لكي تحمي صناعتها من "الإفلاس" وَ مواطينيها من "البرد القارس" – و بالفعل قام مهندسو المؤسسة الفرعية "أوكر غاز ترانس" بجعل المنظومة تعمل في حلقة بشكل ذاتي لاول مرة في تاريخها منذ تصميمها
حالياً روسيا تُطالب المسؤولين الأوكران بتقديم التعويضات بقيمة تفوق المليار دولار إلى أعقاب إنقطاع الغاز على المستهلكين الأوروبيين، إضافة إلى ديون سابقة؟ وَ قد قمنا بدراسة عميقة للخلاف الروسي الأوكراني في هذا المضمار بالتنسيق مع خبراء من مركز "إبن خلدون" للدراسات الإستراتيجية الذي تُشرف عليه مؤسسة "الأوراس" للخدمات العامة
المادة الكاملة تقدم فقط للمُشتركين
15-01-2009 م
|