ديسكو الثوار العرب
تلقيت دعوة من زميلي العربي المقرب جدا لحضور حفلة عيد ميلاده وزميلي من الأشخاص الذين تأقلموا مع الأجواء والعادات الأوكرانية وأيضا مع الأعياد الأوكرانية، وما أكثر تلك الأعياد في أوكرانيا! فهناك مثل شعبي متداول بين الشباب (في أوكرانيا فقط هناك مناسبتان: عيد رأس السنة وكل يوم عيد) لكثرة الأعياد... الوطنية وَ العالمية وَ الدينية على مُختلف أنواعها وَ الموروثة عن الإتحاد السوفياتي وَ المُستوردة من الوطن العربي بالنسبة للجاليات وَ هي لا تعد وَ لا تُحصى... بلد الأعياد وَ الجمال. المهم أنه مرة قال لي زميلي ستكون السهرة في ديسكو "الأدغال" الذي يقع في مركز المدينة (خاركوف)، والذي يمتلكه أحد الأخوة الأذربيجان المحبين جدا للعرب والإسلام كما كنت أعتقد قبل قدومي الى أوكرانيا
فقلت له ديسكو الأدغال أول مرة أسمع بهذا الاسم
فقال لي معقول انك شاب عربي ومقيم هنا من أكثر من ستة سنوات ،ولا تعرف أين يقع ديسكو الأدغال عيب عليك يازلمة ... و الله عيب و عار.
المهم شرح لي بالتفصيل مكان الديسكو
في يوم الحفلة وكما هي عادتي بدأت بالاستعدادات لهذه المناسبة الرائعة (سيكبر زميلي سنة كاملة) لأول مرة في حياتي استيقظت في الساعة الثامنة صباحا، و ثم ذهبت الى سوق البرباشوفا لشراء الهدية لزميلي الرائع، وبالفعل وقع الاختيار على هدية مناسبة، فقمت بشرائها و بعد ذلك عدت الى المنزل، وبدأت باختيار الطقم المناسب والكرافتة المناسبة ناهيك عن الحذاء والقشاط المناسبين ومن ثم بدأت بالتفكير بعبارة جميلة لكي أكتبها كتهنئة خطية على بطاقة المعادية التي كنت قد اشتريتها من المحلات الموجودة داخل الميترو
بالبداية حاولت الكتابة باللغة الروسية ولكن تراجعت وقلت في نفسي ما الفائدة من الكتابة باللغة الروسية للأن زميلي على الأحوال لن يقرأها ، ولإني إنسان عربي غيور على ثقافتي ولغتي العربية الفصحى، قررت واتخذت قراري الحاسم بأن أكتب بلغة الضاد عبارات المعايدة كي تبقى تلك العبارات كما نسميها في بلادنا العربية بالذكرى (فالذكرى يا قرائنا الأعزاء ناقوسا يدق في عالم النسيان ) فجأة ضاعت الكلمات والحروف ولم أستطع أن أبدع في أختيار الكلمات والعبارات المناسبة
فقررت وكتبت له جميع أطفال وأزهار وطيور العالم و نقول لك سنة حلوة يا جميل ... وكل عام وأنت بألف خير، وعقال الألف سنة يا رب
دقت الساعة الثامنة مساءا فخرجت من المنزل وتوجهت الى الديسكو، وإذا بزميلي يقف إمام باب الديسكو يستقبل المدعوين والمدعوات فتقدمت اليه و باركت له وأعطيته الهدية فمسكها كالطفل الصغير وقال لي يازلمة ليش معذب حالك ... ما قلتلك حضورك لحفلة عيد ميلادي أكبر هدية، فأجبته هاد واجبي
وبلا طول سيرة يا جماعة الخير دخلنا الى الديسكو ويا ريتنا ما دخلنا ... فنظرت نظرة عامة وشاملة الى الديسكو فشاهدت طاولات فاخرة يجلس عليها الأمير والبرنس والباشا والأفندي يا فندي وكم كبير من الفتيات الشقراوات والسمراوات
وبدأ زميلي يعرفني على الشلة والجو فعرفني على الأمير والبرنس ومن ثم الباشا والأفندي والمرشال ميشيل والجنرال وغيرهم ... فقاطعته وسألته (أين هو السلطان ) فأجابني أنا السلطان ونائبي المرشال ميشيل
ومن ثم عاد ليشرح لي عن أسماء الشلة والمجموعات فقال:"شلتنا أسمها الدينامو العربي و تعد من أكبر الشلل في الديسكو وهناك شلة الفرسان الشرقيين وهناك شلة حديث الولادة عرب أوكرانيا.."
وأضاف لي معلومة هامة عن كيفية حصوله على لقب السلطان:"... فقد اجتمعت الشلة وقررت منحي اللقب مراعين أقدميتي ودوامي الدائم واليومي في الديسكو ، فأنا وصديقي المرشال ميشيل (الفارس الشرقي ) لم نتأخر ولم نتغيب عن الديسكو يوما واحدا الا أيام الضرورة وكما تعرف للضرورة أحكام...".
بعد حديثه الطويل وجولتي معه في جميع أنحاء الديسكو شعرت بأنني في أحدى ديسكوهات عواصمنا العربية لكثرة العرب أو بشكل أدق اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية ما شاء الله
المهم جلست مع زميلي السلطان على طاولة دينامو العرب ولي الشرف لأنها تعد الأقوى والأكثر شعبية في الديسكو... وأفتتح صديقنا الدي جي (مهندس أو مسؤول الصوت والأغاني و هي من أهم الخبرات العربية في المهجر ) السهرة بأغنية روسية لتحريك الجو وكما بدأت الفلاشات والأضواء الملونة تتحرك معلنين بدأ الرقص للشاب و الفتيات ... و تحرك الدولاب الرئيسي لمُحرك الوليمة وَ إنتشرت الشرارة الكهربائية في دينامو العروبة وَ بدأ كاربوراتور النخوة يضخ الوقود النظيف في غرفة إحتراق الأخلاق وَ العادات وَ أشعلت نيران الشقروات وَ إخترق ضوضاء الباشاوات جدران الصمت وَ أطلق المحرك دخان النشوة عبر نافورات الأرجيلة وَ إنطلقت القافلة الساحرة بسرعة البرق لتحدي العصر وَ رغم كل هذه التكنولوجيا لم يمرح العرب من هذا الإنجاز الهام؟
الجو لم يعجب العرب وبدؤا ينظرون الى بعضهم البعض نظرات اشمئزاز وعدم رضا على الجو ولكن شكرا جزيلا للأرجيلة التي هدأت من غضب شبابنا العربي، وكانت معظم النظرات موجه الى السلطان كونه رئيس العشيرة أو القبيلة الذي بدوره يحل ويربط، والجميع يسمعون له ما يقول، فيطلب لهم الفودكا والبيرة ويعرفهم على الحسناوات الجميلات ويرحب بهم ويهديهم السلامات والتحيات والأغاني عبر ميكرفون الدي جي
السلطان كان يجلس ومن حوله الفتيات الجميلات ومع ذلك فأنه غمر أحد الشاب وأعطاه الأوامر فصعد ذلك الشاب الى حجرة الدي جي وحجز أغنية وأهدائها الى الشباب العرب إقليم بلاد الشام، ومن ثم نهض الشاب للمرة الثانية وحجز أغنية الى شباب الخليج العربي
وفجأة توقفت الموسيقى وخرج معظم الشباب الى الشارع وأنا مثل الأطرش بالزفة وكوني عربي وفضولي خرجت لأشاهد ما الذي يحصل: ... واذا بشباب شلة المغرب العربي يتشاجرون مع شلة بلاد الشام من أجل عدة فتيات شقراوات، وتدخل السلطان وتدخلت الشرطة و حلت المشكلة بتقبيل الشوارب والذقون وقطع من السكاكر الأوكرانية (حفنة من الغريفنات) أعطيت للشرطة و هي ضريبة المصالحة وَ لغة التضامن مع السلطات وَ الكل فرحان بما قدمه كعربون الصداقة و المصالحة
ودخلنا الى الديسكو من جديد وبدأت الموسيقى العربية تقرع وتقرع وشبابنا يرقصون ويتمايلون والكؤوس معهم ترقص وتتمايل ... كيف للعرب أن تكتمل سعادتهم في السهرة من دون الدبكة العربية؟
فقام السلطان ز هو بشغل منصب سلطان شرف تجمع دينامو العرب وتوجه شخصياً الى حجرة الدي جي، وحجز أغنية الدبكة (سمرا وأنا الحاصودي ) و عبر مكبرات الصوت قدمها هدية لجميع العرب في الديسكو، وبدأت الدبكة العربية وبدأ العرب بالقفز والهرولة والهز بالخصور والأكتاف وشارك الأصدقاء الأوكران العرب فرحتهم بالدبكة فدبكوا معهم وفرحوا معهم
في تلك الأثناء تمنيت أن أصبح عميد لجامعة الفنون والرقص لكي أعطي العرب المتواجدين في الديسكو دبلومات وشهادات أكاديمية بفنون الرقص (الدبلوم الأحمر) لمهارتهم وإتقانهم لجميع أنواع الرقص والخلع والرقص
وفي منتصف ساحة الرقص بدأت معركة خفيفة بين شلة تجمع بلاد الرافدين وشلة تجمع الخليج العربي لكن بسرعة البرق تدخل السلطان وحل المشكلة بتقبيل الشوارب والأنوف، ولكن هذه المرة لم توزع السكاكر على الشرطة، لان ذكاء السلطان كان أقوى فقال لشرطة أنه لا يوجد أي مشكلة وأن هذا الدفش والرفس بين الشباب نوعا من أنواع الرقص الشعبي لإحدى الدول العربية !! وتابع الجميع رقصهم وبسطهم وسعادتهم
للمرة الثانية تتوقف الموسيقى ويخرج الجميع الى الشارع ومثل العادة خرجت لأشاهد مالذي حصل: ... واذا بالعرب ( أهل الشام والخليج والمغرب العربي وبلاد الرافدين ) يتشاجرون مع الأزربيجان و الايرانين والأتراك ... أصبح الخلاف إقليمياً بطابع دولي.
و بعد صراخ و ضرب خفيف واشتباكات ليست بالعنيفة وبتدخل السلطان والمرشال ميشيل وصاحب الديسكو كونه من الأخوة الأذربيجان حلت المشكلة وكالعادة أخرج السلطان وصاحب الديسكو حفنة من السكاكر الأوكرانية وأعطوها لشرطة وانتهت المشكلة بسلام ومحبة وتقبيل شوارب ومن غير تقبيل الأنوف والخدود وبترديد لبعض العبارات ( نحن أخوة – نحن أصدقاء – نحن من دين واحد!! )
ودخل الجميع الى الديسكو وبدأت أجواء الرقص والبسط تعم أرجاء المكان.
في تلك الأثناء نظرت الى ساعتي واذا هي الثانية بعد منصف الليل، فقلت للسلطان، السهرة حلوة معكم ولكن اعذرني أريد الذهاب الى المنزل، فحلف السلطان الف يمين وحلف بشرفه وعرضه وطوله ووزنه وقال يا غالي بعدها السهرة بأولها وبعدني ما قطعت قالب كاتو عيد ميلادي، و أجلس يازلمة ، المهم جلست لشدة إصراره
بعد مدة ربع ساعة أحضر النادل قالب الكاتو وعليه الشموع وتجمع الشباب والفتيات حول السلطان وبأغنية عيد الميلاد أطفئ السلطان الشموع وقطع قالب الكاتو وتلقى المباركات والتهاني من الأصدقاء والمحبين والفتيات الحسناوات الشقراوات والسمراوات، ورفعت الكؤوس وشربت ، و توجه الجميع الى ساحة الرقص ضمن أجواء البهجة والفرحة والسعادة
الفرحة والسعادة لم تطلل كثيراً وللمرة الثالثة تتوقف الموسيقى ويخرج الجميع وعلى رأسهم السلطان الى الشارع وطبعا خرجت معهم: واذا بالعرب والأتراك والأزربيجان والإيرانيين يتشاجرون مع الشباب الأوكران
وفشلت جميع المحاولات لإخماد المعركة و أضطرت الشرطة لاستخدام الغار المسيل لدموع لتفريق المتشاجرين وبعد تدخلات السلطان وكبار الشخصيات الموجودة حلت المشكلة، و طبعا تم أعطاء السكاكر الأمريكة الخضراء لشرطة وعاد الشباب الى الديسكو لمتابعة السهرة فمنهم من عاد سالما ومن هم من عاد و على جسده بعض الرضوض والجروح البسيطة
المهم جلست قليلا ومن ثم ودعت السلطان والشباب وخرجت الى الشارع أنتظر التكسي التي سوف تنقلي الى منزلي، فنظرت نظرتي الأخيرة الى ديسكو الأدغال ديسكو الثوار العرب وقلت في نفسي: "... هذا واقع( بعض) شابنا العربي في الغربة، إن أهدافهم تسكن سراويلهم تحت الصرة بعشرة سنتمترات، و نظرهم لا يتعدى نهود إمراة وكأس من الخمر، فهل نستطيع بناء جاليات محترمة بفضل هؤلاء، هذه الحادثة تختصر في ذاتها النمط الاغترابي العربي في أوكرانيا حصرا فبعض شبابنا ورجالنا في هذا البلد بقوا رهينة لعقدهم وإمراضهم النرجسية والطفولية ولم يحاولوا تجاوزها بل ساروا الى اكثر من ذلك حيث اعتبروا ان الاندماج الخاطئ لهذا البلد واتقان لعبتها هو قمة المهارة و نسوا إنهم أبناء حضارة عربية أعطتهم من الذخيرة الثقافية والروحية تؤهلهم ان يكونوا في غير هذا الموقع
فهل يستطيع هؤلاء تقديم أي فائدة للوطن أو لأبناء الوطن الواحد في الغربة يارعاكم الله ؟؟
بقلم المخرج الشاب
المهند كلثوم
– مدينة خاركوف
حياة العريبة أو حوار الحضارات
18-09-2009 م
|