الكأس المقلوب – الحلقة الثالثة
تقدّم محمود بحذر من معطفه وَ أخذ بيده اليُسرى جهاز الموتورولا، الرقم غير معروف... وَ لكن درك بحدسه التجاري بأنّ أحد الشركاء الأتراك في إنتظاره في مطعم روكسالانا الذي سبقه إلى أوكرانيا بعدة أيام. تعرّف محمود بأولكر منذ مدة طويلة عندما كان يُتاجر بالقماش في بداية التسعينات، حيث كانا يُبيعان بالجملة المنتوج النسيجي إلى منطقة الخليج وَ الإتحاد الروسي وَ أوكرانيا بوجه الخصوص. تخرّج أولكر من موسكو من معهد اللحوم وَ الألبان في نهاية الثمانينات وَ قد تزوّج من فتاة أوكرانية وَ خلّفت له بنت أطلق عليها إسم روكسلانا.
- متى وصلت يا محمود اليوم؟ - عرف مباشرة محمود صوت صديقه أولكر من لكنته التركية الخشنة وَ كان أحياناً يُخلطها بكلمات عربية على اللهجة الشامية
- وصلت إلى كييف قبل أيام عبر موسكو – الجو بارد، نسيتُ اللغة تمامًا وَ بفضل طالب لبناني صاحب مطعم في الحي الجامعي تمكنت من حل بعض الأمور البسيطة على مُستوى الأوفير... أصبح شبابُنا رجال أعمال وَ لكن الواضح أن هذا المقام ما راح يدوم طويلا – كان صوت محمود خافتا، حيث بدا عليه التعب، فهو لم ينم خلال يومين، كان الطريق جد مُرهق.
- أنا الآن مع بنتي في المحل لم أراها لأكثر من سنة كاملة.. لا تعرف لا تُركي وَ لا أنجليزي، فكرت في اللجوء إلى مُترجم لأخبرها عن شعوري نحوها. أما زوجتي السابقة سفيتالانا فسافرت إلى إيطاليا قبل سنتين للعمل، وَ قيل لي بأنها تعمل خادمة في صقيليا وَ لكن أشك في نزاهة طبيعة عملها – هنا إرتبك أولكر في الكلام وَ حاول أن يقلب صفحة الحوار في إتجاه الأعمال قائلا: متي نلتقي يا عمي محمود؟
- طبعاً اليوم في مكان ما: مطعم شرقي أو نادي ليلي أو مرقص.. أريد أن أتفسح وَ أنبسط... يُقال أن بنات أوديسا حلوات وَ جميلات – في هذه اللحظة تذكر محمود بأنّ بنت السيد أولكر بجنبه وَ تصوّر شعور الأب حيال مُستقبل بنته
- خذ سيارة طاكسي وَ راح أرسلك العنوان برسالة أس أم أس على هذا الرقم... أنا في إنتظراك بفارغ الصبر.. وَ ما تنسى أن تأخذ معك حفنة من الدولارات.. الجو سيكون مُمتعا وَ الجمال يتطلب بعض المال... هذه سنة الله في خلقه
في هذه اللحظة رن جرس البيت وَ تسارعت العجوز لفتح الباب، وَ لم تُصدّق ما رأته – وقف على عتبة الباب شرطي المنطقة المعروف باللغة العامية "أوتشاستكوفي" وَ بدأ يتفحص الرواق بعين واحدة، اما الثانية فكادت أن تكون مُغلقة – فمسح بصره كل الغرف، دفع الباب بقوة وَ في لمح البصر أصبح جالساً على الكرسي بجنب حقيبة الضيف
- أنا الملازم أوليغ ألكسندروفيتش ...عرفنا بقدوم مواطن أجنبي إلى هذه الشقة.. أريد أن أتأكد من هوية الضيف وَ مدى شرعية تواجده في أوكرانيا؟ - عندما استئجر أسعد الغرفة في هذا البيت منذ عدة أشهر، أصبح الطالب تحت المجهر، فكل تحركاته مُراقبة من طرف الجيران – فالمسألة لا تقتصر فقط على الفطنة وَ الحرص على أمن البلد، وَ لكن الجارات يحسدن بابا ليدا لانّه أصبح لها مدخول بالدولارات، إضافة إلى الهدايا التي يُقدّمها الشاب الأجنبي. فعندما قدم "الزبون الثاني"، لم يتحمّل الجيران هذه النعمة التي نزلت على بيت بابا ليدا، وَ قامت إحداهن بالإتصال بشرطي الحي لسم بدنها وَ الأخذ بالثأر منها – عرف محلي: كلما كانت أحوال الجار أسوء، كلما كان الجو العام أحسن – الغيرة وَ الحسد هي العملة المحلية للتعامل في الحارة
أما المُلازم أوليغ فحاول أن يجد لطشة أو أي أمر يُخالف القانون في وثائق الضيف، لكن بدون جدوى لأنّ الطالب أسعد تمرّس وَ إكتسب حصانة كبيرة من مرض "الشرطة وَ الرشاوي" – وَ لكن السيد محمود فهم اللغز وَ قدّم للضيف الرسمي حفنة من الغريفنات التي بقيت في جيبه عندما حاسب صاحب سيارة الأجرة. فقد تذكر محمود أيام الشباب بطاشقنت، فهو لا يصدّق ما تراه عيناه.. فسابقاً كان من الصعب أن يدخل الشرطي بهذه الطريقة وَ يُزعج الأجنبي في محل إقامته.. كان الأجنبي بمقامه الخاص وَ كل الأمور مُسهلة، حيث فنادق "الإنتوريست" وَ محلات "البيريوزا" وَ المطاعم الفخمة وَ الحسناوات من كل صوب. الآن أصبح غير مرغوب فيه وَ الكل يُحاول أن يأخذ حصته منه، سواء كان رجل حراسة الحدود، أو الجمركي، أو الشرطي في الشارع أو حتى في قعر بيته، ناهيك عن الذئاب المُحترفين من أبناء الأمة وَ الثقافة المُشتركة...التتمة في الحلقات المقبلة
حياة العريبة أو حوار الحضارات
18-09-2009 م
|