الكأس المقلوب – الحلقة الثانية
دخل محمود مدينة أوديسا للمرة الأولى، وَ قد حاول أن يُرمّم جملا إعتادها في إيام التحضيري باللغة الروسية ليسأل سائق سيارة الأجرة في طريقه من محطة القطار إلى شقة أحد الطلبة، لكنّه لم يجد إلاّ بعض الكلمات المتبعثرة، وَ أغلبيتها كلمات شارعية لا توافق هندامه وَ شكل الحقيبة التي وضعها بجنه. كان الشاب أسعد في إنتظاره أمام مدخل البناية محمود من أقارب الشاب الذي كان بإنتظاره، وَ كانت ترتبطه علاقة عمل مع خاله في تركيا، كانا يتعاملان في مجال تقديم خدمات النقل – وَ إقتصر إهتمامهما على نقل الحمضيات وَ الباندورة إلى أوكرانيا وَ تسويقها في أسواق الكيلومتر السابع بالجملة عبر مجموعة من الشباب العرب، الذين أخفقوا في المشوار الأكاديمي وَ تحوّلوا إلى تجار وَ سماسرة، وَ تشكلت نقابة مهمة من العرب، أغلبهم منحدرين من سورية، الأرن وَ العراق، وَ حتى أن بعض الخليجيين حاولوا الإلتحاق بالموكب، وَ لكنّهم واجهوا عراقيلاً جمة.
دخل محمود شقة أسعد، وَ قابلته عجوز و هي تُحدّق في عينيه و صافحته كعادتها، حيث بدت معالم الخوف على وجهها لتجرية قاسية في حياتها... لقد أجّرت شقتها قبل ثمانية سنوات للهنود وَ أغروها بسعر باهض في تلك الفترة – ثلاثمائة دولار للشهر، دفعوا لها مٌسبقاً لشهرين كاملين، وَ غادروا بعد أربعين يوماً فقط، و حتّى انّها طبخت لهم شربة البورش الأوكرانية اللذيذة في ذلك اليوم لأنّهم لم يطلبوا منها الباقي من المبلغ؟ "ما أكرمهم... أجانب مُحترمون؟" – و بعد أسبوعين إستلمت بابا ليدا فاتورة المكالمات الهاتفية بقيمة خيالية، بقيمة أكبر من سعر الشقة نفسها – أكثر من ألفين دولار.. فتوجهت إلى الشرطة المحلية بطلب للبحث عنهم، و لكن بدون جدوى. مرت الأيام وَ الشهور، و قد ساعفها الحظ، بالأحرى... بلغ مؤشر التضخم المالي ذروته في تلك الأيام و أصبحت القيمة ضئيلة يُمكن دفعها، فقد كانت بابا ليدا أرملة وحيدة، و رغم كل متاعب الحياة، قدمت طلباً إلى مصلحة الإتصالات بمنطقتها لتقسيط المبلغ، وَ فكرت ملياً في أمرها وَ وجدت الحل: "سأجّر البيت باليوم، وَ ليس بالشهر.."، كما انها قطعت الخط الخارجي (8)، لكي لا يستعمله الأجانب للإتصالات الدولية. في تلك الفترة كانت أوديسا محطة لكل من هب و دبّ من التجار، السواح وَ طبعاً المهاجرين غير الشرعيين.. سعر الليلة عشرين دولار، خمسة دولارات لـ"السقف" (يُطلق على المافيات في تلك الآونة بالسقف لأنها تحمي الزبون من المافيات الأخرى... ظاهرة إجتماعية وَ إقتصادية تزامت وَ حقبة الإنهيار لمؤسسات الدولة السوفياتية على كل الأصعدة..فكانت تُنفذ مهام الشرطة، غالباً ما كانت الشرطة تتعامل معهم وَ تشترك لقمة العيش). وَ بابا ليدا واحدة من تلك النساء الأوكرانيات، اللواتي مارسن الأعمال الحرة، فالكل كان يُتاجر بما يملكه من مواهب وَ إمكانيات... وَ مع الزمن تدهورت صحة المرأة العجوز وَ إرتئت أن تؤجر غرفة إبنها، الذي إستقر بالعاصمة كييف للطلبة الأجانب لسد رمق الحياة.. مدفوعات التقاعد لا تكفي وَ حتى لا تغطي مستحقات الأدوية التي أصبحت جد غالية.. تعاني بابا ليدا من مرض السكري، الذي أصابها مباشرة بعد أن توفى زوجها فانيا.
وضع محمود حقيبته في زاوية الغرفة وَ قد لفتت نظره صورة شاب بملامح سلافية وَ هو يرتدي طقية عسكرية وَ على كتفه نجمة صغيرة – الصورة عتيقة غير ملونة في برواز من البرونز. تقدّم أسعد إلى محمود ليساعده في تفريغ أغراضه و ترتيبها على الطاولة هامساً له:"..هذا زوجها، و لقد ألتقطت له هذه الصورة و هو على الجبهة بالحرب العالمية الثانية في براغا..". كان أسعد مُلما بحياة بابا ليدا وَ زوجها.
يداوم أسعد في معهد الطب وَ يحلم أن يصبح جراحاً في المستقبل، وَ قد تعرّف بالمرأة العجوز في العيادة القريبة من السكن الطلابي. فيوماً حس بألم في بطنه بعد أن تناول أكلة على الشارع المُجاور – أكلة محشية باللحم "بيروشكي"، وَ نصحه زميله بالغرفة – لبنابي – أن يتوجه إلى العيادة المجاورة للفحص.. وَ لكن بعد أن دخل العيادة إزداد الألم وَ تسارعت الممرضات لإسعافه... أجريت له التحاليل الأولية، وَ فهم الطبيب – إمرأة في السن الخمسين تدعى أولغا أوليكسيفنا – بأنّه تسمّم لتناوله اللحم، وَ مضي في "الستاسيونار" أكثر من أسبوع.. وَ خلال هذه الرحلة القصيرة تعرّف أسعد بإمرأة في سن متقدم... كانت تناوله أكله المستشفى وَ تنظف غرفته يومياً... أما صديقه زهير فكان يزوه وَ يأتي بالطعام وَ الفواكه وَ حتى أنّه كان يقدم هدايا للطبيب – عُرف محلي أصبح واجبا إلى يومنا هذا.. كان أسعد يتقاسم حصته من الفواكه مع العجوز التي أخبرته بأنّها تعاني بمرض عضال – السكري.. وَ قد أعجبت بابا ليدا بأخلاق المريض أسعد الذي إلتمس في المرأة عطف وَ حنان الأم وَ الجدة.. وَ كانت هذه بداية تعارفهما.
قدم محمود إلى أوكرانيا بتأشيرة عمل لثلاثة أشهر، فعليه أن يلتقي بأحد الشباب السوريين العاملين في الكيلومتر السابع – السوق المشهور في أوديسا – فهو هنا لهدف واحد – تحصيل أمواله من أحد التجار العرب الذي لم يُسدد ما ترتب عليه من الديون.. فالطالب أسعد لا يعرف شيئاً عن ما يدور في خاطر الضيف.. و هنا رنّ الهاتف النقال الذي كان في جيب معطفه الأسود، وَ سارع محمود ليعرف الزائر...التتمة في الحلقات المقبلة
حياة العريبة أو حوار الحضارات
18-07-2009 م
|