الكون المادي: ماهية المادة، الفضاء و الزمن
قفز البحث العلمي في آواخر القرن التاسع عشر في مجال الفلك من ميدان التجريب و الملاحظة إلى مرحلة الفكر المنطقي الرياضي، حيث وصل كل من نيوتن، لابلاس، ماكسويل، بوانكاري، إينشتاين، مينكوفسكي و المئات من الباحثين و العلماء إلى نتيجة مفادها أنّ الصورة الحقيقية للكون تتشكل بفضل النظريات الرياضية و إنسجام النماذج الحسابية مع نتائج التجارب الميدانية، و في آخر الأمر إقتنع الباحث بأنّه لا داعي للعكوف وراء عدسة التلسكوب و مراقبة الأجرام السماوية، بل يكفي أخذ ورقة و قلم و البدء في الحسابات و إستتناج المعادلات المنتاظرة و المتناغمة مع المنطق و الحدس في آن واحد، فبحل المعادلات الرياضية نكشف سر الكون و ماهيته، و نجد الأجوبة الكاملة على كثير من الأسئلة التي طرحها أجدادنا في الزمن البعيد فبداية من القرن العشرين عرف العالم دراما بين الكون المرئي المسجل في الجداول الفلكية و السجلات المخبرية وَ الفكر النظري الذي قدّم تفسيراً نظرياً بحتاً لكل ما يطرأ من حولنا. فالنظري – الباحث الذي يعتمد على قوة النظرية و النتائج الحسابية و الحدس طبعاً – حاول أن يجعل الكون المادي مطابقاً لنتائج حلول معادلته التجريدية. فبإستبدال علامة (+) بعلامة (-) في معدلته، فسنحصل على نموذج معاكس لما تصورناه من قبل – لكن هل يعني بأنّ إستبدال علامة المتغيرات في المعادلة سيؤدي فعلاً إلى إنقلاب الموازين في الكون الذي تسبح فيه الكواكب و النجوم؟
فمرة تحسّر الرياضي و الفلكي لاغرانج عندما أشار بأنّ سابقه إسحاق نيوتن كان عالما سعيداً، حيث فسّر كل الظواهر الطبيعية التي لاحظها حوله وقتئذٍ بمعادلة واحدة، و بالفعل تمكن من إستعمالها لتفسير و حتى التنبؤ بكثير من الأحداث، ليس فقط في جوف الليل، و لكن في الحياة العملية
حالياً – يستدرك لاغرانج قائلاً – توجد كثير من النماذج النظرية لما يحصل في الكون و غالباً تناقض بعضها البعض – و لكن الكل يعلم بأنّ الكون واحد أمامنا و يتوجب إيجاد معادلة شاملة واحدة تفسر كل شيء دون اللجوء إلى الإستثناءات و التعميمات
نشير إلى أنّ المعيار الأساسي الذي يدل على "حقيقية" المعادلة و مدى تناسقها مع الكون يتمثل في تناظر و تجاسم شكلها – فالمعادلة يجب أن تكون بسيطة و حتى أنّها جميلة في شكلها – فإذا توصّل الباحث إلى نتائج غير متراصة و بسيطة، فإنّ المجتمع الأكاديمي يرجح إلى الرفض، و حتى أنّ العلماء يطرحون السؤال الملاسيكي:"إنّ هذه المعادلة لا تستطيع أن تكون صحيحةً لأنّها غير منسجمة و جميلة مثل الكون الذي نشهد حولنا" – بالطبع كل باحث حاول و يحاول أن يستنبط جملة معادلاته بإستعمال مختلف الطرق الجديدة التي توصل إليها علم التحليل الرياضي و كذلك البرامج المختلفة على أسرع الحاسوبات التي تمكن الإنسان من إختراعها اليوم (نسبياً)
و في آخر المطاف توصل العلماء إلى ربط العالم المادي بالقيم الهندسية التي تصف الفضاء الذي تسبح فيه المادة الملموسة – الكواكب، المذنبات، الجسميات الدقيقة، و حتى الطاقة و التأثيرات المختلفة لأنّ المادة هي شكل من أشكال الطاقة – ومنه فقد تمكن العالم الألماني ألبرت إنشتاين بإبجاد علاقة مهمة تربط بين الطاقة و هندسة الفضاء. فالفضاء الذي يصفه هنا العالم إنشتاين لا بشبه الفضاء الذي درسناه في المدارس الإبتدائية و الثناوية في دروس الهندسة الإقليدية، بل يوصف بإستعمال الهندسة اللاإقليدية – المستنبطة من أعمال الرياضي ريمان وَ لوباتشوفسكي، و حتى العالم الشهير غاوس
فالفضاء الذي يشمل و يتضمّن كل ما ندركه و لا ندركة بحواسنا من المادة و الطاقة لا يوصف بمعادلات الهندسة الإقليدية ، بل يوصف بهندسة معقدة من الوهلة الأولى، حيث للزمن له وجود فيها كبعد من أبعاد هذا الفضاء، غالباً ما يُطلق عليه إسم الكون الفضائي الزمني
إنّ الكون واحد و الحقيقة واحدة، و لذلك فإنّه لا يمكن أن نقتنع بأنّ المعادلات الحديثة – و المختلفة و حتى المتناقضة – مُخوّلة برسم الصورة الموضوعية و الملموسة لما يجري في هذا الكون. و للأسف الشديد فإنّ كثير من الظواهر الطبيعية تعالج بطرق و نظريات متشعبة وهذا يرتبط بمعطيات مرتبطة بعلاقة الفضاء بالزمن – السرعات – إذن فنفهم بأنّ الهندسة تلعب دوراً هاما في وصف الظواهر الطبيعية – و لكن هل يعني ذلك بأنّها سليمة و معصومة من الخطأ؟ إنّ المجتمع الأكاديمي الراهن يعالج الكون و ما يجري في جوفه عبر عدة عدسات و هي: العدسة النسبية، العدسة الكمية، العدسة التقليدية، عدسة التأثير الكهروميغناطيسي و حتى عبر عدسة المعطيات التجريبية، التي لا تملك قاعدة نظرية و لكنّها تستند إلى الحدس التجريبي و حتى إلى الصدفة – الصدفة العلمية؟
فمثلاً النظرية الكهرومغناطيسية التي وجدها العالم الفذّ كليرك ماكسويل (
1831
–
1879
) سمحت لنا بإستعمال الأمواج الكهروميغناطيسية بإطيافها المختلفة لتأويل ما يجرى في الكون على ضوئها، و حتى أنّها فسرت طبيعة الضوء - النور. و رغم كل المنجزات التي حقّقها الإنسان في هذا المجال، فإلى حد الآن لا نستطيع أن نحدد بالضبط طبيعة التأثير الكهرومغناطيسية، كما أنّنا عاجزين على تحديد طبيعة الحذب الأرضي – تأثير الجاذبية الكونية
فقط الرياضيات – كعلم قائم بذاته – تمكّن من إعطاء المهندسين الطرق الناجعة لتصميم أجهزة الراديو و التلفاز و أنظمة الإتصال الخلوي و غيرها من أعاجب الحضارة الحالية. كما ورد أعلاه، فإنّ الكون يتشكل من الفضاء (و الزمن كبعد رابع) و الطاقة. توجد علاقة صارمة بين هدين المفهومين، حيث تمكن أنشتاين من إيجاد تلك المعادلات الأساسية التي تصف هذا الإرتباط بإستعمال سبل الهندسة التحليلية و الجبرية – التنزرية، و التي أطلق عليها إسم "نظير الجذب العام"، و لكن الإعلام أعطى لها تسمية إعتباطية: النظرية النسبية العامة، لأنّ العالم إنشتاين الشاب ( في عام
1905
م) خرج بعمل عملاق بعنون أكاديمي: الأجسام المتحركة في سياق الكهروديناميك – فقد أدخل العالم الشاب مسلمات جديدة مستنبطة من نظرية ماكسويل و تخلّص من وسط "الأثير" المتناقض الخواص في ضوء نظير نيوتن الكلاسيكية، و خلال سنة خرج بمعادلة عبقرية تربط كمية المادة بالطاقة المتضمنة – و قد طلب من المخابر التي تتعامل مع المواد المشعة التأكد من نظريته، حيث تنبأ الشاب ألبرت بأنّه عندما تقوم العناصر (الأنوية) بالتهافت و نشر الإشعاع، فهي تفقد جزء من طاقتها الكاملة و تمكن من حساب هذه الكمية بإستعمال قيمة سرعة الضوء في الفراغ – و تجدر الإشارة إلى أنّه بفضل هذه المعادلة يستطيع العلماء النووين من معرفة قيمة الطاقة المستخرجة من الجسم المنشطر في القنبلة النووية التي تعمل على مبدأ إنشطار نوايا الأورانيوم أو البلوتونيوم بعد تعرضه لتيار النيوترونات المحرارية (التي تتحرك بسرعات بطيئة)
إذن من المعادلة المشهورة
(E=m.c2)
تربط الطاقة المتضمنة في المادة عبر خواص الفضاء و الزمن (السرعة المطلقة للنور)، و من هنا الأعجوبة المتمثلة في أنّه يُمكن إيجاد صيغة فضائية لكون آخر، حيث سرعة التأثير تختلف عن عالمنا، و سرعة الضوء فيه أكثر بملايين المرات – و من هنا نستنج مايلي: يُمكن الإنتقال إلى عالم آخر عبر قناة السرعات و الحصول على أشكال أخرى للحياة. فمثلاً قيمة
π
المعروفة في الحسابات الهندسية تُستعمل لحساب محيط الدائرة بمعرفة القطر مثلاً (قيمتها التقريبية
3.14
)، و لكن لو ننتقل إلى كون آخر فمن المنطقي أن تختلف قيمتها بإختلاف قيمة التأثير نحو سرعة الضوء، ولكن هل ستكون هذه القيم مرتبطة خطيّا أم لها إرتباط غير خطي (عير آفيني)؟ أسئلة تبقى بدون إجابة... إلى حين
وَ سنحاول أن نصف ماهية الزمن الكوني الذي يحدد مستقبلنا و يربط إدراكنا بالماضي و حتى بالمستقبل، فغالباً ما نسأل كم بلزمك من الدقيق و الماء لتحضير رغيف الخبز، فنسمع قيمة معينة بالكيلوغرام و الليتر و هي قياس للمادة، و فقط – و لكن الخبّاز المحترف يُضيف في إجابته قيمة أخرى ليست أقل أهمية: نصف ساعة من الزمن... و كأنّ الوقت يُعتبر جزءاً لا يتجزأ من المواد الأولية – ومن هنا نجزم بأنّ الكون و الزمن مرتبطان إرتباطا وثيقاً
هل يعني أنّ الزمن له كيان مادي؟ أو أنّه نتيجة إدراكنا و شعورنا لما حولنا، لأنّ الأحداث و الظواهر التي تطرأ من حولنا تستعمل الزمن كوقود للمضي قدماً إلى النهاية الحتمية – و هل يُمكن أن نجد الزمن بشكل مستقل عن المادة؟ أو وجود المادة يقضي بوجود الزمن؟ أسئلة غير منتهية و لها تاريخ عريق يرجع إلى الآلاف من القرون. و من كان الأول الزمن أو المادة أو شيء ثالث ينبع من الإدراك و الوعي (حسب ما جاء في كتاب الرحلة للأستاذ حارث يوسف)؟ و هل يستطيع أن نتكلم عن الزمن في بعد عن الفضاء الهندسي الذي يحيط بنا؟ فنحن نقيس الزمن بالثواني، و الساعات، و الأشهر و السنوات – و لكن عندما نعالج هذه "المادة" نعتبرها "تسير" وفق محورها بشكل منتظم – فقياس الزمن لا يرتبط مثلاً بمسار الجسم المتحرك و لا بحرارته، و حتى بإشارة الشحنة الكهربائية – المغناطيسية – التي يحملها. فنعتقد بأنّ الزمن يملك طبيعة مادية، و لكن علم التحريك النظري الحديث يعالج الزمن كبعد هندسي ضمن الفضاء الفيزيائي
نستطيع أن نعتبر الزمن قيمةً شعاعية لها إتجاهاً معينا في الفضاء (طبعاً في الفضاء الكوني الذي يشمل فضائنا الفيزيائي) – الحركة نحو الماضي تعني بأنّ للزمن قيمة سالبة، أمّا الحركة الإعتيادية و الحتمية للزمن تعني بأن للزمن قيمة إيجابية. و لنٌضيف مثلاً الكثافة؟ أي أنّ تيار الزمن يشبه في حركته – الخالدة – تيار الماء أو الهواء في الفضاء الهندسي. ومن هنا يُمكن أن نجزم بأنّ هذه الخواص – العوامل – تؤثر على مجرى الأحداث
و لنتصور أنّ الزمن يشبه إلى حد قريب وسط – مثل الماء أو الغلاف الجوي – و تسبح فيه الأجسام المادية مثل ما تسبح في الفضاء الهندسي – فإنّ أي حادث يطرأ في الكون يؤثر على كثافة هذا الوسط و يخلق فيه ذبذبات تشبه في شكلها – حسب تخيّلنا المحدود – تلك الذبذبات التي تتشكل على سطح الماء عندما نرمي فيها الحجرة – بعبارة أخرى فإنّ الأحداث التي تطرأ في كل المعمورة تؤثر على بعضها البعض عبر وسط الزمن – و لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي سرعة التأثير المنتشر في هذا الوسط؟
فنحن نعرف بأنّ الأجسام تؤثر على بعضها البعض في الوسط الفضائي عبر الحقول المعروفة – خطوط القوى المختلفة (الجذب العام، التأثير الكهروميغناطيسي، النووي و الضعيف)،و هي ألياف و خطوط مثل ما درسناه في الثانوية العامة. و من أجل تفسير ظاهرة الجاذبية العامة، قام العالم إنشتاين بالتنازل على مبادئ الهندسة التقليدية في وصف الفضاء الهندسي، و لكنّه عالج الزمن كبعد سلمي بسيط، هل يعني بأنّه لو قام العالم بمعالجة الزمن ضمن الهندسة اللاإقليدية لما توصل إلى معادلة موحدة لكل من التأثير الكهرومغناطيسي و الجاذبية العامة، و حتى التأثير النووي و الضعيف؟
إنّ الوسط الزمني لا يتدفق في الفضاء الهندسي، و لكنّه موجود لوجود المادة (الطاقة) وَ مستقل عن سرعة التأثير الهندسي – ومنه يُمكن إستعمال هذه القناة للإتصال بكافة أجرام الكون بشكل آن دون العبور عبر الفضاء الفيزيائي
فحسب ما ورد أعلاه يٌمكن ربط الجاذبية العامة بخواص التيار الزمني – بعبارة أخرى يُمكن التأثير على قيمة الجاذبية بتغيير قيمة الزمن (مثلاً الإتجاه أو الكثافة) – هل يعني بأنّنا نستطيع الإستغناء عن الجاذبية و السفر إلى الأجرام البعيدة (فضائياً) بشكل آن، و لكن ما هو سعر هذه التذكرة و على حساب أي مورد نقتصد الزمن؟
فلنتصوّر أن هذا الوسط الزمني مادة تتكون من جُسميات و لنسميها كرونتونات و هي تتدفق و لها خاصية مثل الفوتونات مثلاً، فهي تنسق "عمل" الكون و تُعتبر وقود "الحدث" بدونها لا يُمكن أن "تسير الحياة الحية و الجامدة". فمثلاً لو تمكنا بعزل هذه المادة عن الخلية الحية فإنّها ستبقى خالدة إلى الأبد و ستحتفظ بخواصها
لنفرض أنّنا عُزلنا من هذه المادة التي تخترق كل الكون و نتسق عمله، فسنبقى بدون أي تأثير و هل سنستطيع التفكير؟ و هل التفكير و العمل الإبداعي في حاجة إلى هذا المادة الزمنية؟ فلو قمنا بتكثيف هذه المادة حول "توأم" فإنّه سيصبح شيخاً قبل أخيه الذي يعيش بقربه و لكنه يخترقه تيار زمني منتظم – ومن هنا نستنتج "إشكالية التوأمين" لإنشتاين، و لكننا لم نستعمل عامل السرعة (عامل الفضاء الهندسي) ، و لكن إفترضنا تغيير كثافة المادة الزمنية. هل هذا يعني نفس الشيء. فمن أجل الوصول إلى السرعات القريبة من سرعة الضوء في الفضاء يتجب صرف كمية كبيرة من الطاقة – إذن فتكثيف التيار الزمني يقضي أيضاً إنفاق كمية هائلة من المادة (الطاقة)، و من هنا الإرتباط العميق بين المفاهيم الثلاثة: المادة، الزمن و الفضاء الهندسي
هل بإمكاننا إلتقاط و حصر الكرونتونات؟
يُمكن الحصول على المادة الكاملة بالمشاركة بنادي الطلبة
04-05-2008
|